مؤسِّسون وليسوا مقدَّسين

إذا كان يحقُّ للأممِ أن تذكرَ مآثرَ مؤسِّسيها، فهل يحقُّ لها أن تعظِّمَهم وتمجِّدَهم وتغاليَ في المفاخرةِ بهم، وترفعَ من شأنِهم وإلى الحدِّ الذي يجعلهم بمنأى عن أن يطالَهم ما ينتقصُ من عظيمِ قدرِهم؟ وهل يحقُّ للأممِ أن تنزِّهَ مؤسِّسيها تنزيهاً يعيدُ صياغةَ سيرتِهم تفخيماً لإنجازاتِهم يعصمُهم من أن تكونَ حياتُهم قد اشتملت على أخطاءٍ أو ذنوب؟ وهل يحقُّ للأممِ أن تبتدعَ منهجاً في التعاملِ التاريخي مع مؤسِّسيها يجعلُهم كياناتٍ تسمو على كلِّ ما هو بشري، وبما يتعارض مع ما كانوا عليه في حياتِهم، ومع ما صدر عنهم من قولٍ أو فعل؟
أسئلةٌ يحقُّ لنا أن نطرحَها كلما أدهشتنا سلوكياتُ الأمم في تعاملِها غيرِ السَّوي مع مؤسِّسيها. ولنأخذ مثالاً على ذلك الطريقةَ التي يتعاملُ بها السوادُ الأعظم من الأمريكيين مع مؤسِّسي أمتِهم. فـ “الآباء المؤسِّسون” للأمةِ الأمريكية The Founding Fathers قد نظرت إليهم الغالبيةُ العظمى من الأمريكيين لا على أنهم بشرٌ يصيبون ويخطئون، ولكن على أنهم حالةٌ فوق البشر هي أقربُ ما تكون إلى ما كان الإنسانُ عليه في بداياتِ رحلتِه على هذه الأرض من تعظيمٍ وتبجيلٍ وتوقيرٍ وتقديس لأسلافِه الأولين الذين صنع لهم أصناماً وتماثيل وشرعَ في التعبُّدِ لها فقدَّم لها النذورَ والقرابين!
فمتى يدرك الإنسان أنَّ مَن يقوم بتعظيمِهم، إلى حدِّ التقديس، من أسلافِه الأولين كانوا بشراً أمثالَنا يصيبون ويخطئون؟ ومتى يدرك الشعبُ الأمريكي أنَّ مساءلةَ رؤسائه الأولين هي خطوةٌ لابد من القيامِ بها إذا ما أرادت الأمةُ الأمريكية ألا تكررَ أخطاءَ الماضي، وألا يكونَ رؤساءُ أمريكا يكرِّرُ الخلفُ منهم أسلافَه، ويكرِّر بذلك أخطاءهم الكارثية التي أدت إلى التسبُّبِ بما يعجزُ اللسانُ عن وصفِه من الفظاعاتِ والمآسي في مشارقِ الأرضِ ومغاربِها؟

أضف تعليق