هل العالَمُ وهمٌ كما يزعمُ البعض؟

هل العالَمُ وَهم؟” سؤالٌ قديمٌ قِدَمَ الإنسانية، فما أصلُه؟ وكيف تطورت مقاربتُه من قِبَل العقلِ البشري في رحلتِه منذ بداياتِ تشكُّل المعرفة البشرية وحتى زمانِنا هذا؟ وهل هو حقاً سؤالٌ لا طائل من ورائه؟ وهل هو سؤالٌ يفتقر إلى المعنى، وبالتالي لا مبرر هنالك لطرحِه، كما تزعم المدرسةُ المنطقيةُ الوضعية؟ وهل بإمكانِنا اليوم أن نجيبَ على هذا السؤال إجابةً يحدِّدها التدبرُ الموضوعي للتراثِ الفلسفي ذي الصلةِ بمجالِه التعريفي؟ وأين الدين من هذا الجدال المحتدم بين المتخاصمين بشأنِ هذا السؤال؟
أسئلةٌ بالإمكانِ تقديمُ الإجابةِ عليها عبر مقاربةٍ تنأى بنفسِها عن أيِّ صبغةٍ إيديولوجية أو عقائديةٍ أو مجافيةٍ للمنطق، وذلك بأن نأخذ بنظر الاعتبار ما يلي:
1- بدايةً لابد من التشديدِ على حقيقةٍ مفادها أنَّ القولَ بأنَّ “العالَم وهم” يتعارض مع ما تقتضيه قوانينُ الفيزياء حتى يحظى هذا العالَم بنصيبٍ من الوجود. فالطاقةُ التي يتطلبُها كونُ العالَمِ وهماً لا يمكن أن يكونَ لها وجود، وذلك لأنها تتجاوز بترليونات المرات مجموعَ ما في الكون من طاقات.
2- إن التدبرَ الموضوعي للظاهرةِ الدينية، بامتدادِها في عمومِ المكان ومنذ البداياتِ الأولى للوعي البشري المتدين، وذلك عبر مقاربتِها بالاستعانةِ بما تكشفه الدراساتُ اللغوية التاريخية المقارِنة، والمقاربةُ التناصية بين النصوص التي تديَّن بها الإنسان على مرِّ العصور، كفيلةٌ بأن تضعَ أمامنا تصوراً مغايراً للتصورِ التقليدي، كما يقول به علمُ الاجتماع الديني، مفاده أنَّ الإنسانَ بدأ تجربتَه التدينية بالتوحيد ومن ثم انحرف إلى التعددية بمختلف تجلياتِها. وهذا التصور المغاير لما هو سائد من تصورٍ حول المسارِ التطوري للتدينِ البشري، يجعلنا بالضرورة نواجه احتمالاً منطقياً مفاده أنَّ سؤال “هل العالَم وَهم؟” قد تعرَّض، شأنه في ذلك شأن كثيرٍ من مفرداتِ الدين الأول للإنسان، إلى انحرافاتٍ عن المعنى الأصلي لعبارةِ “العالَم وَهم”، وأنَّ هذا الانحراف هو الذي ساد المشهدَ الفكري شيئاً فشيئاً، كما تسيَّدت هذا المشهد انحرافاتٌ أخرى عن المعنى الأصلي أدت إلى نسيانِه والاستعاضةِ عنه بمعانٍ أخرى مناقضة له بالتمامِ والكلية. فلماذا لا يكون القول “العالَم وَهم” قد صدر عن الرعيلِ الأول من المتدينين بالدين الأول للإنسان، وبالمعنى الذي أراد هذا الدين أن يتبيَّنه كلُّ من تديَّن به التديُّنَ الحق من أنَّ هنالك عالَمَين: عالمٌ حقيقي إن أنت أقررتَ بعجزِك عن الإحاطةِ به على ما هو عليه حقاً وحقيقة، وعالمٌ آخر وَهمي إن أنت ظننتَ أنَّ بمقدورِك أن تتبيَّنَ حقيقتَه. فالعالَمُ الحقيقي هو العالمُ القائمُ بالله الذي بثَّ فيه من قوانينِه ما يجعل العقلَ غيرِ المتدين التديُّنَ الحق يتوهمها على غيرِ ما هي عليه فيظنُّ أنَّها آلهةٌ تحرك الوجود وبها يستقيمُ أمرُه.
فلماذا لا يكونُ سؤال “هل العالَم وهمٌ” هو لا أكثر من مجرد “دخان” لنارٍ سبقته إلى الوجود، وبالمعنى الذي بمقتضاه تصبح الإجابةُ عليه هي “العالَمُ وهمٌ إن أنت لم تقر بأن خالقَه هو مَن أقامه، وهو مَن بيدِه أمرُ بقائه أو فنائه.

أضف تعليق