القناع والسلطة… حين تكشف المناصبُ وجه الإنسان الحقيقي

منذ فجر التاريخ، شكّلت السلطة أحد أعظم الاختبارات التي يمكن أن يتعرّض لها الإنسان. فهي لا تخلق من الإنسان شيئًا جديدًا بقدر ما تكشف ما كان مستترًا فيه. فالإنسان قبل أن يحوز سلطةً على الآخرين يبدو – في الظاهر – متزنًا، متواضعًا، وربما صالحًا؛ لكن ما إن يُتاح له النفوذ حتى تتبدّى جوارح النفس على حقيقتها، ويظهر التباين بين من يملك إرادةً صلبة تسوس شهواته، وبين من تسوقه النفس حيث تشاء.
السلطة لا تُفسد بحد ذاتها، لكنها تُظهر ما في النفس من قابلية للفساد أو الصلاح.
فصاحب الإرادة القوية، حين يعتلي منصبًا، يبقى متمسكًا بزمام ذاته؛ فلا تغويه نشوة النفوذ، ولا يخرجه الشعور بالتفوّق عن إنسانيته. أما ضعيف الإرادة، فالنفس تجد فيه أرضًا خصبة لبذر الغرور والتجبّر، إذ تدعوه إلى ما تأمر به على الدوام: السوء والتسلّط والبطش.
ولعلّ أجمل ما يجسد هذا المعنى هو ما عرضته السينما في فيلم The Mask، حيث يتحول القناع إلى رمزٍ عميق للسلطة المطلقة.
البطل الطيب، حين يضع القناع، تُفجّر فيه القوة المكبوتة فيوظفها لمواجهة الشر وإنقاذ الأبرياء.
أما الشرير، حين يضع القناع ذاته، فسرعان ما يستخدم قوته الخارقة للدمار والانتقام.
إنّ القناع هنا ليس سوى رمزٍ للسلطة؛ فالقوة نفسها تُنتج الخير أو الشر بحسب من توضع في يده، تمامًا كما تفعل السلطة حين تمنح الإنسان فرصة أن يكون بطلاً أو طاغية.
بهذا المعنى، يمكننا أن نتساءل عن وجه القناع الذي يرتديه بعض القادة في الواقع.
فعندما يعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب نيته مهاجمة أهداف داخل فنزويلا بذريعة محاربة كارتلات المخدرات، يبرز السؤال الأخلاقي والسياسي في آن:
هل هو يرتدي وجه البطل الذي يسعى إلى حماية البشرية من الشر، أم وجه الشرير الذي يختبئ خلف القناع ليمارس هيمنته؟
إنّ المنطق الواقعي يفرض علينا أن نرى ما وراء الأقنعة:
ففنزويلا ليست البلد الوحيد الذي تنشط فيه عصابات المخدرات في أمريكا اللاتينية، ولكنها البلد الذي تختزن ثروات نفطية هائلة. وهنا يتضح أن القناع السياسي كثيرًا ما يُستخدم لتغطية وجه الطمع، لا وجه العدالة.
السلطة ليست امتحانًا للآخرين بقدر ما هي امتحان للذات.
فهي القناع الذي يضعه الإنسان ليواجه العالم، فينكشف من خلاله وجهه الحقيقي، لا كما يراه الناس، بل كما هو في داخله.
ولهذا يمكن القول إن السلطة لا تغيّر الإنسان، بل تفضحه. ومن لم يملك إرادةً تُهذّب قوته قبل أن يحوزها، فلن يصمد طويلًا حين يُتاح له أن يستخدمها.
إنّ العالم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الأقنعة، بل إلى من يملك شجاعة أن يحكم بلا قناع.

أضف تعليق