
الإنسانُ مغرمٌ بالبطولةِ وإن تعذَّرَ التوافقُ على تعريفٍ جامعٍ مانعٍ لها؛ فأبطالُ شعبٍ هم في نظرِ شعبٍ آخر مجرمو حرب. وكتبُ التاريخ تمتلئ بحكاياتِ شخصياتٍ كهذه. على أنَّ هَوَس الإنسان بتأليهِ أبطالِه التاريخيين هو العلةُ من وراءِ ما يُضفيه عليهم من “استثنائية” تجعلهم فوق المساءلة وبمنأى عن أن يطالَهم أيُّ انتقاد. ولكن هذا لا ينبغي أن يجعلَنا نسارعُ إلى الجزمِ بألا بطولةَ تاريخيةً حقة تقتضي منا وجوبَ إجلالِها وتبجيلِها والنظرِ إليها على أنها نماذج يقتدى بها.
وهنا تبرز الحاجةُ إلى وجوبِ التوافقِ على تعريفٍ يُجمع عليه كل من كان ذا عقلٍ سليم. وهذه مهمةٌ على قدرٍ من المشقةِ عظيم، خصوصاً إذا ما أخذنا بنظرِ الاعتبار ما يصرُّ عليه الكثيرون من ضرورةِ إسباغِ “استثنائيةٍ قدَرية” على هذا الشعبِ أو ذاك تُلزِمُ الجميعَ بالقولِ بما اختُصَّ به من تفرُّدٍ دوناً عن غيرِه من شعوبِ الأرض. وخيرُ مثالٍ على هذه الاستثنائيةِ القدَرية ما يقول به كثيرٌ من المفكرين السياسيين الأمريكيين بشأن “الاستثنائية الأمريكية”. ومن أبرز تجليات هذه الاستثنائية “تقديسُ” الرؤساء الأمريكيين السابقين. فهؤلاء، وبموجب هذه الاستثنائية المزعومة، ليسوا بشراً كغيرِهم من البشر يصيبون ويخطئون! ولذلك فليس لأحدٍ أن يسائلَ الرئيس الأمريكي السابق لندون جونسون عن المجازرِ التي ارتكبها في فيتنام وحوالَيها، كما أنَّ ليس من حقِّ أحدٍ أن يحاكمَ أخلاقيةَ قرار الرئيس الأمريكي السابق هاري ترومان بإلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما وناغازاكي. فكلُّ رئيسٍ أمريكي لا يُخطِّئ سابقيه من الرؤساء الأمريكيين ولا يُجرِّمُهم ولا يسمح بمساءلةٍ تاريخية لما ارتكبوه من فظاعاتٍ بحقِّ أمريكا والإنسانية.
غير أن هنالك استثناءً يمثله الرئيس دونالد ترمب الذي لم يدع مناسبةً إلا ووظفها للتعريضِ بسلَفِه جو بايدن وبتبيان الجرائم التي ارتكبها بحقِّ الشعبِ الأمريكي وكثيرٍ من شعوب العالم. وهذه فضيلةٌ تُحسَبُ للرئيس ترمب الذي لعلَّ أن يكونَ ما قام به من إدانةٍ وتجريمٍ لسلفِه سابقةً تشجع آخرين على تناول تاريخ الرؤساء الأمريكيين، وذلك من بعد تطهيرِه وتنقيتِه من كلِّ مظاهرِ التقديسِ والتأليه، حتى لا يبقى الرئيسُ الأمريكي كائناً استثنائياً فوق البشر يصيب دائماً ولا يخطئ أبداً. فما يدرينا، لعل خطوةً رائدةً كهذه تعقبُها خطواتٌ مماثلة على ذاتِ النهج، سوف تتكفل بجعلِ أيِّ رئيسٍ للولاياتِ المتحدةِ الأمريكية يفكر ألف مرة قبل أن يورِّطَ بلاده في فيتنام أخرى أو يغامرَ ببدءِ حربٍ نووية ستكون حتماً آخرَ الحروبِ البشرية.
