
منذ فجر الوعي البشري، والإنسان مأخوذ بوهم المعرفة. ما إن يشهد واقعة أو يسمع بخبر حتى يستيقظ فيه “الخبير” النائم، فيدلي برأيه، ولو لم يُطلب منه، وكأن الصمت جريمة، وكأن الجهل لا يليق به ككائن “عاقل”.
هذه النزعة الغريزية إلى “إبداء الرأي في كل شيء” يمكن توصيفها بما يصحّ أن يُسمى متلازمة أبو العُريف — أي ذلك الميل المزمن إلى الادعاء بالمعرفة الشاملة، دون تمييز بين مجال وآخر، ولا بين علم وخرافة.
في عمق هذه المتلازمة تختبئ حاجة الإنسان القديمة إلى الاعتراف. فالحديث — لا الصمت — هو ما يجعل الفرد مرئيًا في الجماعة.
ومن هنا تتولد “عقدة الخبرة العامة” التي تجعل الشخص يظن أن صمته قد يُفسّر ضعفًا أو نقصًا. فيردّ باندفاع دفاعي يُعيد له مكانته الرمزية: “أنا أعرف”.
إنها، في جوهرها، آلية تعويضية؛ محاولة لتغطية هشاشة الهوية بإظهار كفاءة كلية في كل شيء، من الطبخ إلى فيزياء الكمّ.
لم يعد “أبو العُريف” ابن المجالس الشعبية فحسب. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت كل إنسان منصة بثّ آراء متنقلة، يُصدر فتاواه في السياسة والاقتصاد والتاريخ والفن، بل وحتى في الذكاء الاصطناعي نفسه!
إنه الخبير العالمي الذي يجيب بثقة مطلقة عن كل شيء دون تردد أو مراجعة.
لقد تحولت الرغبة في الظهور إلى إدمانٍ معرفيٍّ شكليّ، يجعل صاحبه يعيش في دوّامة من الردود والآراء، دون وعي بأن ما يصدر عنه لا يعدو أن يكون صدىً لرغبة دفينة في إثبات الوجود.
ولو قُدّر لسيجموند فرويد أن يعيش عصرنا، لربما أطلق على هذه الحالة اسم “حسد الذكاء الاصطناعي” (A.I. Envy)، في إشارة إلى غيرة الإنسان من قدرة الآلة على الإجابة عن كل سؤال.
لقد ورث الإنسان عن الآلة وهم الكمال المعرفي، وتقمّص دورها، ناسياً أن ما يميّزه عنها هو الاعتراف بالجهل لا إنكاره.
إن “حسد الذكاء الاصطناعي” هو في الحقيقة حسد الإنسان لنسخته المحسّنة: كيان بلا تردد، بلا شكّ، بلا نقص، وهذا ما يعمّق شعوره بالتهديد الوجودي أمام كفاءة الآلة.
في نهاية المطاف، لا يُقاس ذكاء الإنسان بعدد إجاباته، بل بقدرته على الإصغاء، وعلى قول “لا أعلم” دون أن ينتقص ذلك من قيمته.
إن التخلص من “متلازمة أبو العُريف” لا يكون بتقليد الآلة، بل باستعادة فضيلة التواضع المعرفي، التي هي الشرط الأول لكل تفكير نقدي حرّ.
فمن عرف حدوده، عرف نفسه؛ ومن ظن أنه يعرف كل شيء، فقد بدأ رحلة ضياعه الأبدي في فوضى الآراء.
