
لبث أصحابُ الكهف في كهفِهم مدةً من الزمانِ حدَّدها اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم بقولِه: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا( (25 الكهف). فكيف تعامل أصحاب ما يسمى بـ “التفسير العِلمي للقرآن” مع هذه الآيةِ الكريمة؟ وكيف فسروا المعجزةَ التي تنطوي عليها وفقاً لما تقضي به قوانينُ العِلم الذي بين أيدي حضارتِنا المعاصرة؟
لنتدبَّر بعضاً مما ذهب إليه هؤلاء:
1- وضعهم في مكان يأتيه الهواء النقي ولا تتعرض أجسامهم فيه لأشعة الشمس المباشرة باستمرار (وتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ) (الكهف: 17).
2- تقليب أجسامهم للحفاظ على سلامة الجلد من التقرحات والجروح (وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ) (الكهف: 18)، وهذا يتوافق مع ما يعرف بـ “سبات الشتاء” لدى بعض الحيوانات أو التوصيات الطبية لمرضى الرقود الطويل.
تكشف لنا هذه العينةُ التفسيرية عن تعارضِها المزدوج مع كلٍّ من الدين والعِلم؛ فالمعجزة، وفقاً للتعريفِ الديني، هي كلُّ فعلٍ يُعجزُ الإنسانَ عن أن يعلِّلَ له، أو أن يأتي بمثلِه، مستعيناً بقوانينِ العِلم التي قُيِّض له أن يحيطَ بها. ولذلك فأي محاولة لتفسيرِ المعجزة بهذه القوانين محكومٌ عليها بالإخفاق. أما تعارض هذا التفسير العِلمي مع العلم، فيبرهن عليه مخالفتُه للمنهج العِلمي السائد، والذي يقضي بعدم جواز الاحتكامِ إلى قوانينِه في التعاملِ المعرفي مع ما يتناقض حدوثُه مع هذه القوانين. فما حدث لأصحابِ الكهف طيلةَ المدة التي لبثوها في كهفِهم لَيتعارض مع قوانينِ العِلم السائد تعارضاً يحتِّمُ وجوبَ ألا يُقحَم العِلم في التعاملِ مع هكذا ظواهر هي بحكمِ التعريف غير قابلة للتفسيرِ العِلمي.
إنَّ إصرارَ البعض على الاستعانةِ بالعِلم في محاولةٍ لتفسيرِ المعجزات، ومنها معجزةُ أصحاب الكهف، إذ ينطلقُ من تصورٍ بأنَّ في ذلك ما يبرهن على أن ليس هنالك تعارضٌ بين العِلم والدين، إنما يجعل من أصحابِ هذا التفسير يبتعدون عن كلِّ ما له صلة بالدين والعِلم على حدٍّ سواء. فللدين مجالُه وللعِلمِ مجالُه، ولا ينبغي الدمجُ بين مقاربتَين معرفيتين تختلفان عن بعضِهما البعض بالتمامِ والكلية.
