قراءة في النزعة التأليهية للبطولة واستمراريتها في الوعي الجمعي والسياسي

منذ أن وعى الإنسان ذاته ككائنٍ قابلٍ للفناء، سعى إلى تعويض هشاشته الرمزية عبر خلق رموزٍ خالدةٍ تتجاوز حدود الجسد والزمن. فكانت فكرة “البطل” انعكاسًا لتلك الرغبة البدئية في الخلاص.
ولئن كانت البطولة، في أصلها، فعلًا يعبّر عن شجاعةٍ في مواجهة الخطر أو التضحية من أجل الغير، فإنّ تحويلها إلى موضوع عبادةٍ وتمجيدٍ مطلق هو ما حوّلها من قيمةٍ أخلاقية إلى آليةٍ للهيمنة الرمزية【1】.
هذا الميل إلى “تقديس الأبطال” يعكس ما يسميه إريك فروم الهرب من الحرية؛ أي الرغبة اللاواعية لدى الإنسان في الانصياع لرمزٍ قويٍّ يتكفّل عنه مسؤولية القرار【2】.
لكنّ هذه الآلية النفسية تتخذ في التاريخ طابعًا سياسيًا خطيرًا، إذ تتحوّل من تعويضٍ عن الخوف إلى أداةٍ لإدامة السلطة، عبر تحويل الزعيم إلى كائن فوق التاريخ.
تاريخ الفكر الإنساني لم يعرف تعريفًا واحدًا للبطولة، بل تراوح بين رؤيتين:
• الأولى ترى البطل تجسيدًا لقيم جماعية (كما في الإلياذة أو الملاحم القومية)،
• والثانية تراه كيانًا استثنائيًا يعلو على الجماعة، كما في الفلسفة النيتشوية التي بشّرت بـ”الإنسان الأعلى” (Übermensch)【3】.
لكنّ كِلا الرؤيتين تفضيان، حين تُنزَعان من سياقهما النقدي، إلى تأليه الفرد وإعفائه من المحاسبة.
فما يراه شعبٌ بطولةً يراه آخر عدوانًا؛ وما يراه جيلٌ شرفًا يراه جيلٌ لاحقٌ جريمة.
بهذا المعنى تصبح البطولة قيمة نسبية، لكنّ الجماعات البشرية تميل إلى تحويلها إلى مطلقٍ مقدّس عبر ما يسميه بنديكت أندرسون الجماعات المتخيلة【4】؛ أي ذلك البناء الرمزي الذي يجعل الأمة ترى نفسها في مرآة أبطالها التاريخيين.
إنّ أخطر ما في هذه العملية هو أنّها تقتل روح النقد التاريخي، وتجعل الماضي “نصًّا مقدسًا” لا يُمَسّ. وهكذا يتكرّر الخطأ، لأنّ ما يُقدَّس لا يُساءَل، وما لا يُساءَل يعيد إنتاج ذاته بلا انقطاع.
الاستثنائية القدرية هي عقيدةٌ خفية تتسلّل إلى وعي الشعوب لتبرير تفوّقها المزعوم على غيرها.
وقد اتخذت هذه العقيدة في العصر الحديث صورتها الأوضح في الاستثنائية الأمريكية، التي تُصوِّر الولايات المتحدة كأمةٍ مختارةٍ إلهيًا لتقود البشرية نحو الحرية【5】.
صاغ المفكر الأمريكي ألكسيس دو توكفيل في القرن التاسع عشر أول ملامح هذا الوعي حين تحدث عن “فرادة التجربة الأمريكية”【6】، لكنها لم تلبث أن تحوّلت، مع مرور الوقت، إلى لاهوتٍ سياسيٍّ جديد يُبرر التوسع والاستعمار باسم القيم الإنسانية.
وقد انتقدت هانا آرنت هذه النزعة في كتابها أصول التوتاليتارية، معتبرةً أن تقديس الأمة أو الزعيم يُفضي حتمًا إلى انعدام المسؤولية الأخلاقية【7】.
فحين يُرفَع الرئيس أو القائد إلى مقامٍ استثنائي، تُلغى معه الحدود بين الصواب والخطأ، لأنّ “الإرادة الوطنية” تُصبح معيارًا بذاتها.
هكذا برّر الأمريكيون قصف هيروشيما، كما برّروا فيتنام والعراق لاحقًا، تحت راية “الحرية” و”القدر الأمريكي المتجلّي”【8】.
وهنا يتحوّل التاريخ إلى دينٍ مدنيٍّ جديدٍ، قوامه الإيمان بـ”قداسة الدولة” و”عصمة الزعيم”.
وسط هذا المناخ، يبرز الرئيس دونالد ترمب بوصفه حدثًا مفارقًا في التاريخ السياسي الأمريكي.
فللمرة الأولى، يظهر زعيم أمريكيٌّ يهاجم سلفه علنًا، ويتّهمه بالخيانة والفساد وسوء الإدارة.
قد لا يكون هذا النقد نابعًا من نزعةٍ أخلاقيةٍ نبيلة، لكنه من حيث أثره البنيوي في الخطاب السياسي يمثل شرخًا في جدار القداسة الذي أحاط بالمؤسسة الرئاسية الأمريكية لعقود.
إنّ ما فعله ترمب — بجرأته على مهاجمة سابقيه — يعيدنا إلى مفهوم إزالة الهالة (Entzauberung) عند ماكس فيبر【9】، أي تحرير الوعي من السحر والقداسة التي تحيط بالمؤسسات والرموز.
بهذا المعنى، يصبح ترمب، ويا للمفارقة، أداةً غير مقصودةٍ في نزع القداسة عن الرئاسة الأمريكية، وفي فتح الباب أمام نقد الذاكرة السياسية بدل عبادتها.
من زاوية إبستمولوجية، يمكن النظر إلى تأليه الشخصيات على أنه انحراف في بنية المعرفة الأخلاقية والسياسية.
فالمجتمعات التي تُقدّس أبطالها لا تبحث عن الحقيقة، بل عن التبرير.
إنها تحوّل التاريخ من مجالٍ للتفكير إلى مجالٍ للتسليم، وتُصادر النقد لصالح الطاعة.
وهذا ما نبّه إليه ريينهارت كوسيلِك في دراسته عن المفاهيم التاريخية، حين أكّد أن «الزمن التاريخي يفقد معناه متى ما فقد المجتمع قدرته على المحاسبة والتعلّم من الماضي»【10】.
إذًا، الكفّ عن تأليه الأبطال ليس موقفًا سياسيًا فحسب، بل هو تحوّل معرفيٌّ جذريّ من منطق الإيمان بالاستثناء إلى منطق الوعي بالحدود.
البطل الحقيقي ليس من لا يُخطئ، بل من يُدرك محدوديته، ويعترف بها أمام الجماعة.
والمجتمع الناضج هو من يرى في رموزه بشرًا لا آلهة، ويُحاكمهم بمعيار الأخلاق لا بمعيار العصمة.
التحرر من ثقافة التأليه ليس جحودًا للبطولة، بل هو عودةٌ بها إلى إنسانيتها الأولى.
فالبطولة الحقيقية لا تكمن في التفوّق على الآخرين، بل في القدرة على مواجهة الذات.
وحين يتخلّى الإنسان عن إغراء “الاستثنائية”، يكتشف أن أعظم إنجازاته ليست في السيطرة، بل في المسؤولية.
إنّ التاريخ الإنساني لن يبلغ رشده إلا حين يتعلم أن أبطاله يخطئون، وأنّ الخطأ لا يُبرَّر بالقدَر ولا يُغسل بالتاريخ، بل يُصحَّح بالوعي.
ولعلّ البداية تكون في أن نكفّ عن عبادة الأبطال، كي نبدأ في صناعة الإنسان.

• ميشيل فوكو، إرادة المعرفة، ترجمة نجيب العوفي، دار توبقال، 1991، ص 45–46.
• إريك فروم، الهروب من الحرية، ترجمة صلاح القصب، دار المدى، 1998، ص 78–80.
• فريدريك نيتشه، هكذا تكلم زرادشت، ترجمة فليكس فارس، دار الكتاب العربي، 2002، ص 134–137.
• بنديكت أندرسون، الجماعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها، ترجمة ثائر ديب، المركز العربي للأبحاث، 2013، ص 19–21.
• Seymour Martin Lipset, American Exceptionalism: A Double-Edged Sword, W. W. Norton, 1996.
• Alexis de Tocqueville, Democracy in America, 1835–1840.
• Hannah Arendt, The Origins of Totalitarianism, Harcourt, 1951, pp. 272–280.
• Edward Said, Culture and Imperialism, Vintage, 1993, pp. 5–7.
• Max Weber, Science as a Vocation, in From Max Weber: Essays in Sociology, Routledge, 1948.
• Reinhart Koselleck, Futures Past: On the Semantics of Historical Time, Columbia University Press, 2004.

أضف تعليق