
يُولد الإنسانُ مثقلاً بتناقضاته قبل أن يعيها، ويقضي معظم حياته محاولًا التوفيق بينها، لا لحسمها بل لإبقائها في حالة توازن هشٍّ تُمكِّنه من الاستمرار في وهم الانسجام. فالتوفيق بين المتناقضات هو الصيغة التي ينجح بها الإنسان في أن يبقى على حاله العليل، متذرّعًا بأنه يسعى إلى الإصلاح فيما هو في الحقيقة يهرب من مواجهة ذاته.
وهكذا يظلّ الإنسان منشغلًا بمشكلات الآخرين، يمدّ لهم النصيحة والاقتراح والموعظة، فيما يترك مشكلاته الخاصة تتراكم، كنجارٍ يرمم أبواب الناس جميعًا، وينسى باب داره المخلوع.
هذه المفارقة لم تغب عن الوعي الشعبي؛ فقد عبّرت عنها أمثال الشعوب في مشارق الأرض ومغاربها، متشابهة في معناها وإن اختلفت في لغتها. فالمثل المصري القائل: “باب النجار مخلّع” يقابله في ثقافات أخرى مَثل: “الإسكافي حافٍ” أو “الطبيب لا يعالج نفسه”. إنها صيغ متباينة لجوهرٍ واحدٍ هو عجز الإنسان عن أن يكون لنفسه ما يتمنّى أن يكونه لغيره.
غير أن هذا العجز لا يقتصر على العامة أو البسطاء، بل يمتد إلى أولئك الذين يتصدّرون المشهد العام، في السياسة كما في الفكر. فالرئيس الأمريكي دونالد ترمب، على سبيل المثال، يفاخر بقدرته الخارقة على إنهاء الحروب وإحلال السلام، وقد أعلن في تصريحٍ بتاريخ 15 أكتوبر 2025 أنه استطاع إيقاف ثمانية نزاعات مسلحة في ثمانية أشهر، منقذًا ملايين الأرواح. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: إذا كان قادرًا على إصلاح العالم، فلماذا يعجز عن إصلاح الأزمة التي تعصف ببلاده والمتمثلة في “الإغلاق الحكومي العام”؟
أليس ذلك هو “باب النجار” نفسه وقد تضرر خشبه هذه المرّة في البيت الأبيض؟
إن هذه المفارقة الإنسانية تكشف عن مأزقٍ أعمق من مجرد التناقض بين القول والفعل؛ إنها تُظهر خللًا في الوعي الإنساني ذاته، حيث يوجّه الإنسان طاقته نحو الخارج هربًا من مواجهة الداخل. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ من العالم، بل من الباب الذي أمامنا، من ذلك العطب الصغير الذي نؤجّل إصلاحه حتى يغدو صدعًا في جدار ذواتنا.
ولعلّ السؤال الأصدق الذي يجب أن يُطرح ليس: “متى يُصلح النجار بابَه؟”، بل:
“هل يريد النجار أصلًا أن يُصلحه؟ أم أن بقاء الباب مخلوعًا هو ما يُبقيه نجارًا؟”
