
لقد تهاوت في السنوات الأخيرة الصورة النمطية التي ظلت تهيمن على علم الحيوان منذ القرن السابع عشر، والتي حصرت الحيوان في خانة “الكائن الأدنى” الذي يتحرك بالغريزة لا بالعقل.
فمن خلال تجارب ميدانية ومخبرية متراكمة، انكشف للعلماء أن الحيوان لا يُختزل في آلياته البيولوجية، بل يُعبّر عن أنماط سلوك معرفي معقّد يتضمن أشكالًا من الوعي، والنية، والتمييز، والتخطيط.
ولم يعد الذكاء الحيواني موضوعًا للمقارنة التبخيسية مع الإنسان، بل أصبح مفتاحًا لتوسيع مفهوم الذكاء نفسه:
“كلما ازداد الذكاء الإنساني حدة، ازداد إدراكه للذكاء الذي تنطوي عليه الحياة البايولوجية بتجلياتها النباتية والحيوانية.”
إن هذا الوعي الجديد يدعونا إلى إعادة كتابة علم الحيوان على ضوء هذه الاكتشافات التي غيّرت جذريًا فهمنا للوجود الحيّ ولعلاقة الإنسان به.
ثورة الإيثولوجيا على الصورة الكلاسيكية للحيوان
1. من ديكارت إلى لورنتس: سقوط نموذج “الآلة الحيوانية”
منذ ديكارت، سادت الفكرة القائلة إن الحيوان “آلة بلا روح” (animal-machine). لكن القرن العشرين شهد ثورة منهجية مع أعمال كونراد لورنتس (Konrad Lorenz) ونيكو تينبرغن (Niko Tinbergen) اللذين أسّسا علم الإيثولوجيا (Ethology) كعلم تجريبي يدرس السلوك الحيواني في بيئته الطبيعية.
كشفت تجاربهما أن أنماط السلوك الحيواني ليست ردود فعل آلية بل استجابات تكيفية واعية، قابلة للتعلّم والتعديل بحسب الموقف【Lorenz, The Foundations of Ethology, 1981】.
2. الوعي والنية لدى الرئيسيات
في أعمال فرانس دي فال (Frans de Waal) على الشمبانزي والبونوبو، تبيّن أن هذه الكائنات تمارس العدالة، والتعاطف، والانتقام الأخلاقي، أي أنها تدرك المفارقة الأخلاقية وتتعامل معها سلوكيًا【de Waal, Chimpanzee Politics, 1982】【de Waal, Are We Smart Enough to Know How Smart Animals Are?, 2016】.
وقد لوحظت لدى الدلافين والفيلة والغوريلات مظاهر حداد وحزن عند موت أحد أفرادها، وهو ما يفترض وجود إدراك للذات واستشعار للزمن.
3. أدوات الغربان واستراتيجيات الأخطبوط
أظهرت دراسات نيكولا كلايتون (Nicola Clayton) على الغربان (corvids) أن هذه الطيور قادرة على تخطيط المستقبل وتخزين الطعام بحسب توقعات زمنية【Clayton & Dickinson, Nature, 1998】، في حين بينت تجارب جينفير ماتسونو (Jennifer Mather) أن الأخطبوطات تمارس الخداع والتخطيط الدفاعي وتتعرف على الأفراد【Mather, Journal of Comparative Psychology, 2008】.
الذكاء كخاصية بيولوجية شاملة
1. من الإدراك الحيواني إلى الوعي النباتي
في امتدادٍ لما بدأه علم الحيوان، تبيّن في العقدين الأخيرين أن النباتات تمتلك أنظمة اتصال تتوسطها الإشارات الكيميائية، وتستجيب سلوكيًا للمنبّهات الضوئية والميكانيكية، وهو ما دفع ستيفانو مانكوزو (Stefano Mancuso) وفرانتشيسكا بالّيا (Francesca Baluška) إلى طرح مفهوم “الذكاء النباتي” (Plant Intelligence)【Mancuso & Viola, Brilliant Green, 2015】.
وهكذا يتضح أن الذكاء ليس حكرًا على الجهاز العصبي، بل سمة حيوية تتجلى بطرائق متعدّدة.
2. نحو مفهوم تدرّجي للذكاء
تُظهر نتائج هذه الأبحاث أن الذكاء ليس نوعيًا بل طيفيّ:
في المستويات العليا (الرئيسيات، الدلافين، الغربان) يتخذ شكلًا رمزيًا إدراكيًا.
في المستويات الأدنى (النمل، النحل، الأسماك) يتجلى في التنظيم الجماعي والمعالجة اللامركزية للمعلومات.
إنها درجات مختلفة من الوعي التطوري، لا قطيعة بينهما.
وهكذا يغدو الذكاء سلوكًا تكيفيًا متغلغلاً في المادة الحيّة، لا صفةً تميّز الإنسان وحده.
من مركزية الإنسان إلى مركزية الحياة
1. نقد الأنثروبومورفية
إن الإصرار على قياس كل ذكاء بمعيار الذكاء الإنساني هو تعبير عن نرجسية إبستمولوجية تحجب عن الإنسان إدراك وحدة الحياة.
فالوعي ليس امتيازًا نوعيًا بل خاصية كونية. وكلما اكتشف العلم ذكاءً جديدًا خارج الإنسان، ازداد الإنسان وعيًا بحدود ذكائه هو.
2. تقاطع الذكاء الحيوي والذكاء الاصطناعي
تزامن بروز الذكاء الاصطناعي مع اكتشافات الذكاء الحيواني كشف عن مفارقة:
الإنسان يبني آلات تتعلم، ويكتشف كائنات كانت تتعلم قبله بملايين السنين.
إن الذكاء الاصطناعي يذكّر الإنسان بأن ذكاءه نفسه ليس مطلقًا، بل نتاج نظام أوسع من ذكاءات الطبيعة المتفاعلة في كل خلية ونظام بيئي.
نحو إبستمولوجيا حيوية جديدة
إن كل ما تقدّم يفرض علينا إعادة تعريف الذكاء باعتباره طريقة للوجود والتكيّف لا مجرد قدرة حسابية.
وعليه، فإن إعادة كتابة علم الحيوان تتطلب انتقالًا جذريًا من منهج المقارنة التراتبية (الإنسان مقياس كل شيء)، إلى منهج التداخل الحيوي (الذكاء شبكة كونية من المعارف المتفاعلة).
حينئذٍ فقط سيكفّ الإنسان عن النظر إلى الوجود من زاوية التفوق البشري، ويبدأ في الإنصات إلى الحكمة التي تنبض في كل شكل من أشكال الحياة.
Lorenz, Konrad. The Foundations of Ethology. Springer, 1981.
Tinbergen, Niko. The Study of Instinct. Oxford University Press, 1951.
de Waal, Frans. Chimpanzee Politics: Power and Sex among Apes. Johns Hopkins University Press, 1982.
de Waal, Frans. Are We Smart Enough to Know How Smart Animals Are? W.W. Norton, 2016.
Clayton, Nicola & Dickinson, Anthony. “Episodic-like memory during cache recovery by scrub jays.” Nature, 395 (1998): 272–274.
Mather, Jennifer. “Cephalopod consciousness: Behavioral evidence.” Journal of Comparative Psychology, 122(3), 2008.
Mancuso, Stefano & Viola, Alessandra. Brilliant Green: The Surprising History and Science of Plant Intelligence. Island Press, 2015.
Bekoff, Marc & Allen, Colin. The Cognitive Animal: Empirical and Theoretical Perspectives on Animal Cognition. MIT Press, 2002.
Godfrey-Smith, Peter. Other Minds: The Octopus, the Sea, and the Deep Origins of Consciousness. Farrar, Straus and Giroux, 2016.
Baracchi, David et al. “Pervasive plasticity in insect learning and cognition.” Trends in Ecology & Evolution, 35(12), 2020.
