نزعة التمرد لدى الشباب… من الخروج على الطبيعة إلى الثورة على القوالب الجاهزة

منذ أقدم العصور، كانت الفئة الشابة هي الأكثر توقًا إلى التغيير والأشدّ رفضًا للجمود. لا يُعزى ذلك إلى اختلافٍ في المعرفة أو التجربة، بل إلى طاقة حيوية متقدة تُطالب بإعادة تعريف الوجود الإنساني في كل عصر. فالشباب — مهما اختلفت ألوانهم وأعراقهم ومعتقداتهم — يشتركون في نزعة جوهرية واحدة: الثورة على القوالب السلوكية الجاهزة والتمرد على ما يفرضه المجتمع من نظمٍ ومعايير.
لم يكن التاريخ يومًا خاليًا من ثوراتٍ قادها الشباب. فكلّ حركة احتجاجية، من ثورات الحرية إلى الموجات الثقافية والفكرية، كانت تنبض بدماء الشباب الباحثين عن معنى جديد للوجود.
لقد رأينا ذلك في حركة الهيبيز في ستينيات القرن العشرين في الولايات المتحدة، حين عبّر جيل كامل عن رفضه للسلطة وللحروب وللقيم المادية السائدة، وسعى إلى إقامة عالم بديل قوامه الحبّ والسلام. ورأيناه أيضًا في الثورة الثقافية لعام 1968 في فرنسا، التي اجتاحت الجامعات والمصانع وأعادت تعريف العلاقة بين الفكر والسلطة.
وفي العقود اللاحقة، أعادت الثورة الرقمية إنتاج هذا النمط ذاته: شبابٌ متمرّد على حدود العالم القديم، يصنع بأدوات التكنولوجيا واقعًا جديدًا يهدّد النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية الراسخة.
لكن هذه النزعة الثورية ليست عرضًا طارئًا في التاريخ، بل امتدادٌ لحدثٍ وجوديٍّ سحيقٍ هو تمرد الإنسان على الطبيعة.
لقد اضطرّ الإنسان القديم إلى الخروج على قوانين الطبيعة التي كان الحيوان يخضع لها دون نقاش. فبينما يطيع الحيوان غريزته، شاء الإنسان أن يبتكر ويُغيّر ويعاند ما أُمِر به بيولوجيًا.
هذا التمرد الأول — على الطبيعة — لم يكن مجرّد فعلٍ ضدّ الطبيعة، بل إعلانًا عن بداية التاريخ البشري نفسه؛ لأن الإنسان، في لحظة رفضه الامتثال، بدأ يعي ذاته ككائنٍ حرّ قادر على تغيير شروط وجوده.
ولأن هذه النزعة التمردية متأصّلة في صلب التجربة الإنسانية، فهي تتجدّد مع كل جيلٍ جديد.
فالشباب، في لاوعيهم الجمعي، يعيدون تمثيل تلك اللحظة البدئية التي خرج فيها الإنسان الأول من دائرة الطاعة الطبيعية إلى أفق الحرية — الحرية التي لا تُحتمل أحيانًا لأنها تحمل في داخلها بذور الفوضى والقلق.
من هنا نفهم لماذا يُقدِم الشباب على الثورة دون أن يحسبوا العواقب أو يُدركوا تمامًا ما ستفضي إليه؛ لأن ما يحركهم ليس منطق السياسة أو الاقتصاد بل منطق الوجود نفسه — الرغبة في استعادة الإنسان لسيادته على ذاته في مواجهة كل سلطةٍ تُحاول إخضاعه: سلطة الدولة، وسلطة الدين، وسلطة العُرف، وحتى سلطة التقنية الحديثة.
ها نحن اليوم أمام جيلٍ جديد يعيش تمرده عبر أدوات رقمية غير مسبوقة، يصوغ عبرها رؤيته الخاصة للعالم. غير أن السؤال الجوهري يبقى:
هل سيقود هذا التمرد إلى ولادة عصرٍ إنسانيٍّ جديد؟ أم إلى فوضى عارمة تُعيد البشرية إلى نقطة الصفر؟
الجواب، كما في كل مرة، رهنٌ بقدرتنا على فهم معنى التمرد لا كقوة هدمٍ فقط، بل كطاقةٍ كامنة للتجدّد الخلّاق. فحين يُدرِك الإنسان أن تمرده ليس على العالم بل من أجل العالم، تبدأ الحضارة من جديد.

أضف تعليق