
لطالما ظلّ مفهوم إيذاء الحيوان لذاته (Self-Injurious Behavior – SIB)، وصولاً إلى تجليه الأقصى المتمثل بـ “الانتحار الحيواني”، من أكثر الموضوعات إثارة للجدل في مجالات علم سلوك الحيوان (Ethology) وعلم النفس المقارن. فالتقليد الأكاديمي يميل إلى رفض إمكانية الانتحار لدى الحيوانات غير البشرية، مشترطاً لوقوعه امتلاك الحيوان لوعي ذاتي انعكاسي، وقصدية، ومعرفة مسبقة بالموت. ومع ذلك، فإن ملاحظات السلوكيات المدمرة للذات (كقضم الذات، والنتف، والرفض المأساوي للطعام) لدى الحيوانات الأسيرة أو المجهدة، دعت إلى إعادة النظر في هذا الافتراض الباصل.
في خضم هذا الجدل، برزت أعمال أكاديمية وفلسفية حاولت سد الفجوة بين الإنسان والحيوان في سياق المعاناة الوجودية، كان أبرزها وأحدثها كتاب “انتحار الحيوان: إعادة التفكير في التدمير الذاتي” للفيلسوف ديفيد بينيا-غوزمان (David M. Peña-Guzmán).
يُعد كتاب بينيا-غوزمان تحولاً راديكالياً في طريقة مقاربة الظاهرة، ويقوم على محورين أساسيين ورسالة واضحة:
أ. محاور الكتاب الرئيسية:
– رفض الشروط البشرية: يرفض المؤلف تحديد الانتحار بناءً على شروط معرفية حصرية للإنسان (مثل الوعي والقصدية). ويجادل بأن هذا التعريف يستبعد حالات انتحار بشرية حقيقية (كالأطفال أو المضطربين)، بينما يتجاهل المعاناة الحيوانية الواضحة.
– أطروحة الاستمرارية: يدافع بينيا-غوزمان عن أن سلوكيات إيذاء الذات والانتحار تقع على سلسلة متصلة (Continuum) تمتد عبر المملكة الحيوانية. وبدلاً من التركيز على القصد الواعي، يدعو للتركيز على السلوك التدميري للذات الناتج عن اليأس والمعاناة النفسية الشديدة.
ب. رسالة المؤلف ومقاربة الظاهرة:
تتلخص رسالة بينيا-غوزمان في أن الاعتراف بـ “انتحار الحيوان” أو بسلوكه المدمر للذات، هو اعتراف بـ “عمق معاناته”. والمقاربة التي يدعو إليها هي مقاربة أخلاقية: يجب أن يتوقف الإنسان عن “أنسنة” الانتحار، وأن يتبنى منظورًا بيولوجيًا-أخلاقياً يعترف بأن المعاناة البيئية أو الاحتجاز القسري يمكن أن يدفع الكائن الحي، بغض النظر عن درجته المعرفية، إلى إنهاء وجوده كهروب من ألم لا يُطاق.
بالبناء على طروحات بينيا-غوزمان حول أن السلوك التدميري للذات ينتج عن المعاناة البيئية والضيق الوجودي، يمكن بلورة تصور جديد يربط هذه الظاهرة مباشرة بـ الدور التخريبي لإنسان الحضارة المعاصرة:
إن إضرار الحيوان بنفسه (سواء كان إيذاءً غير مميت أو جنوحًا قاتلاً) ليس بالضرورة “فعلاً قصديًا” انتحارياً، بل هو آلية هروب دفاعية ناتجة عن عجز تطوري عن التكيف مع التغيرات البيئية المستحدثة التي فرضها الإنسان.
1. العجز التطوري والذاكرة المفقودة:
إن التغيرات البيئية التي يحدثها الإنسان (التلوث، الضوضاء، تدمير الموائل) هي تحديات وجودية غير مسبوقة. يفتقر الحيوان إلى “المخزون التطوري” أو “الذاكرة التكيفية” اللازمة للتعامل مع هذه المتغيرات. عندما يتعرض الحيوان لضرر بيئي لا يملك أدوات بيولوجية أو سلوكية لتجاوزه، فإن آخر آليات “الهروب” التي تتبقى له هي إلحاق الأذى بالذات أو الانسحاب القاتل.
2. جنوح الحيتان كنموذج للهروب الوجودي:
يُعد جنوح الحيتان نحو الشواطئ مثالاً صادقاً لهذه الآلية الدفاعية الهروبية. فالحيتان لا تمتلك بالضرورة “قصدية الانتحار” الفلسفية، ولكنها تُجبر على الجنوح نتيجة الضرر السمعي الهائل الناتج عن الضوضاء البشرية (السونار والسفن) أو التسمم الكيميائي بالتلوث البلاستيكي والنفطي الذي يعطل نظام الملاحة البيولوجي لديها. الجنوح في هذه الحالة ليس سوى “محاولة أخيرة للهروب” من بيئة أصبحت معادية وغير قابلة للحياة. هو فعل يائس لتفادي المزيد من المعاناة في المحيطات الملوثة والمضطربة.
إن معاناة الحيوان الشديدة، والتي تتجلى في سلوكه المدمر للذات أو الهروبي الدفاعي، ما هي في الحقيقة إلا مظهر من مظاهر عجز الإنسان عن كف يده عن إيذاء البيئة.
عندما يلحق الإنسان الأذى بالبيئة ومناخها، فإن هذا الأذى لا يبقى محصورًا في الطبيعة الجامدة، بل ينعكس حتمًا على الحيوان. وهكذا، يصبح إضرار الحيوان بنفسه -أو “انتحاره” في بعض الحالات القصوى- تعبيرًا عن فشل الإنسان المعاصر في الحفاظ على التوازن. إنه يمثل شهادة صامتة على أن الإيذاء البشري للبيئة قد خلق عالماً لم يعد لديه أي مجال للنجاة، حتى في ذاكرة الحيوان التطورية. فإيذاء الحيوان لذاته ليس سوى صرخة أخلاقية مدوية تكشف عن حدود الدمار الذي أحدثه الإنسان في الكوكب.
