
من أبرز مظاهر تغوّل النفس على عقل الإنسان قدرتُها على إنتاج تبريراتٍ منطقيةٍ ظاهرها الرحمة والتواضع، وباطنها التهرب من التكليف الإلهي والمسؤولية الأخلاقية.
فالنفس لا تأمر الإنسان صراحةً بترك الخير أو السكوت عن المنكر، بل تلبس لبوس الورع، وتوهم صاحبها بأنه يمارس نوعًا من التواضع والإنصاف حين يمتنع عن نصح غيره بحجة أنه “ليس أفضل منه”، أو أنه “لا يحق له النصح حتى يبرأ من كل ذنب”.
وهكذا، تُمارس النفس أقصى درجات المكر؛ إذ تُحوِّل مبدأ “الدين النصيحة” إلى ذريعةٍ للسكوت، وتحيل التكليف الجماعي إلى شأنٍ فرديٍّ معلقٍ على استحالة الكمال البشري.
يُظهر التحليل النفسي الديني أن للنفس ميلاً فطريًا إلى تبرير أفعالها أمام رقابة الضمير والعقل، وذلك حفاظًا على توازنها الداخلي واستمرار الشعور بالراحة الأخلاقية.
وهذه الآلية الدفاعية التي وصفها علماء النفس المعاصرون بـ “التبرير الذاتي” (self-justification)، تتخذ في السياق الديني هيئةً أشد خطرًا؛ لأنها تُستغل لتقويض الوازع الإيماني ذاته.
فالنفس حين تقول لصاحبها: “اصمت، فلست أفضل من غيرك”، إنما تمنحه مخرجًا نفسيًا وهميًا يجنّبه مواجهة واجبه الشرعي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
إنها لا ترفض مبدأ النصح صراحة، بل تؤجله إلى أجلٍ غير مسمّى، معلقةً إياه على شرطٍ مستحيل التحقق: العصمة من الخطأ.
من الناحية المنطقية، تقوم هذه الدعوى على مغالطةٍ عقلية تُعرف في علم المنطق بـ “مغالطة الرجل الناقص” (tu quoque fallacy)، أي ردّ الحجة بإظهار تناقض صاحبها بدلًا من الرد على مضمونها.
فحين يُقال: “لا تنصح ما دمتَ مذنبًا”، يُستبدل النقاش حول الحقّ بالجدل حول حال الناصح.
وهذا انحرافٌ جوهري عن منطق الدين الذي جعل الحقَّ معيارًا موضوعيًا لا يتوقف على منزلة القائل أو خطيئته.
قال تعالى:
“كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ” (آل عمران: 110).
وهذا الخطاب موجه للأمة جمعاء لا لفئةٍ منزهة عن الزلل، مما يؤكد أن التكليف بالنصيحة وظيفةٌ جماعية ملازمة لطبيعة الإيمان، لا امتيازٌ خاص بالكاملين.
ينبغي التمييز بين التواضع الحقيقي الذي يجعل الإنسان يقدّم النصح برفقٍ دون استعلاء، وبين التواضع المزيّف الذي تتوسله النفس ذريعةً للصمت.
فالتواضع الأصيل لا يعفي صاحبه من أداء واجبه في التذكير والإصلاح، بل يوجّه طريقته في أداء هذا الواجب.
وقد قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في الحديث الصحيح:
“الدين النصيحة. قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم” (رواه مسلم).
وهذا الحديث يُحدّد النصيحة كجوهرٍ للدين، لا كخيارٍ أخلاقيٍّ إضافي، ويؤكد أن الدين نفسه لا يقوم إلا بتبادل التذكير والتقويم المتبادل بين المؤمنين.
وبذلك، فإن السكوت عن النصح بحجة الورع لا يعدّ تواضعًا، بل هو خضوعٌ لمكيدةٍ نفسيةٍ متقنة تُعيد تأويل النصوص الدينية بما يخدم راحة النفس لا صلاحها.
إن الإسلام لا يفترض في المؤمن كمالًا مطلقًا، بل يفترض منه سعيًا مستمرًا نحو التزكية. ولذلك كان قوله تعالى:
“قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا” (الشمس: 9–10).
فالزكاة هنا فعلٌ مستمر لا يُختتم، وهي تشمل تزكية النفس وتزكية الغير.
ومن هنا جاء قوله صلى الله عليه وسلم:
“كل ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون” (رواه الترمذي).
أي أن الخطأ في ذاته ليس نقيضًا للإيمان، بل هو محركه نحو التوبة والإصلاح.
وبالمثل، فالنصيحة للآخرين ليست ادّعاء كمال، بل تعبير عن إرادة المشاركة في عملية التزكية الجماعية التي هي جوهر الدين.
يتجاوز مفهوم النصيحة حدود العلاقة الفردية ليغدو آليةً لصون التوازن الاجتماعي والأخلاقي في الجماعة المؤمنة.
فمن منظورٍ علميٍّ اجتماعي، تمثل النصيحة شكلًا من آليات الرقابة الذاتية الجمعية (collective moral regulation) التي تحافظ على وحدة المعايير والقيم.
وإذا تعطلت هذه الوظيفة بسبب تغوّل النفس وتبريرها للعجز، تفككت شبكة القيم التي تقوم عليها الجماعة.
فحين يسكت كل فرد بحجة أنه “غير مؤهل للنصح”، يتحول المجتمع إلى مرآةٍ مكسورة لا يرى فيها أحدٌ عيوبه، ويصبح الدين ممارسةً شكليةً بلا روحٍ إصلاحية.
إنّ العلاقة بين النصيحة والتوبة علاقة تكاملٍ لا تعارض. فكما أنّ التوبة إصلاحٌ للذات، فإنّ النصيحة إصلاحٌ للآخر.
والنفس الأمّارة بالسوء لا تطيق كلا الفعلين؛ فهي تُخادع صاحبها كي لا يُصلح نفسه ولا يُصلح غيره، مرةً باسم التواضع، ومرةً باسم الخوف من الرياء، ومرةً باسم “احترام خصوصية الآخرين”.
غير أن الدين لا يُقيم هذه الأعذار وزنًا؛ فالإيمان ليس حيادًا، بل موقفٌ فاعل، والنصيحة فيه شكلٌ من أشكال الجهاد الأخلاقي الدائم.
وبذلك، يكون من جوهر الإيمان أن يكون المؤمن مرآةً لأخيه، يُبصر به ما لا يراه في نفسه، ويقبل منه ما لا يسمعه من غيره.
فإذا بلغ الإنسان هذه الدرجة من الصدق في النصح وقبول النصح، فقد عبر أولى عقبات النفس، وحقق معنى قوله تعالى:
“وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ” (العصر: 3).
