في دحضِ وتفنيدِ القول بـ “كَونية الشَّر”

يسبغُ الإنسانُ على الوجود ما لا يمكنُ أن يشتملَ عليه لتعارضِ ذلك مع النظامِ التكويني الذي ما كان للوجودِ أن ينبثقَ لولا صارم تقيُّدِه بالقوانين المتحكمة فيه. والإنسانُ إذ يعجز عن الكفِّ عن إضفاءِ افتراضاتِه وتصوراتِه على وقائعِ الوجودِ وأحداثِه، فإن العلةَ من وراءِ ذلك تعود إلى نزعةٍ متأصلةٍ فيه سبق وأن شخَّصَتها الفلسفة وأطلقت عليها تسميةَ “الأنثروبومورفية”، والتي تعني ميلَ الإنسان إلى “أنسنةِ” مجرياتِ الوجود، وبما يجعلُ كلَّ ما يحدث فيه تجلياتٍ لصفاتٍ ونزعاتٍ بشرية.
وخير مثال على ذلك هو ما ألحقه الإنسانُ بالوجود من شرٍّ افترضَ وجوبَ وجودِه ليكونَ المعادِلَ الكوني للخير، وبما يكفل للكون استقرارَه واتِّزانَه. فالوجود، عند الإنسان، لا قيامَ له من دون قوتَين متكافئتَين متضادتَين؛ إذ يستحيل على الخير أن ينفردَ بالوجود استحالةَ انفرادِ الشرِّ به. وبذلك، فإنَّ القولَ بـ “كونيةِ الشر” تدحضُه هذه النزعةُ الأنثروبومورفية ذاتُها. إذ أنَّ تواجدَ الشرِّ في الوجود ليس إلا ضرورةٌ “منطقية” أوجبتها هذه النزعةُ. وهذا قولٌ متهافتٌ لا يصمد في مواجهةِ هذا التأثيل الفلسفي الذي يتوهم المؤمنون به خلاف ذلك.
إنَّ الشرَّ لا يمكنُ أن يكونَ كونيَّ الانتشار، وذلك إذا ما احتكمنا إلى النصِّ الديني الذي لا يحقُّ لأصحابِ النزعةِ الأنثروبومورفية أن يؤاخذونَنا على الأخذِ به، أما وأنهم، وبنزعتِهم هذه، قد استعانوا بما ليس بالإمكانِ التثبُّتُ منه والبرهنةُ عليه. ناهيك عن أنَّ النَّصَّ الديني بمقدورِه أن يُقيمَ الحجةَ على أصحابِ النزعةِ الأنثروبومورفية هؤلاء، وذلك لأنه يقدِّم لنا تصوراً للوجود مغايراً بالتمامِ والكلية للتصورِ الأنثروبومورفي القائل بوجوب أن يكونَ الشرُّ كونيَّ الانتشار. فالقرآن، على سبيلِ المثال، يُرجِعُ العلةَ من وراءِ ظهورِ الشرِّ في العالَم إلى عصيانِ الإنسان لله بأكلِه من الشجرةِ التي نهاه عنها، الأمر الذي اقتضى وجوبَ أن يغادرَ الإنسانُ الجنةَ ويعودَ إلى الأرض وليختارَ بعدها بين طريقَين: طريق الخير أو طريق الشر.
فالشرُّ إذاً يقتصرُ تواجدُه على هذه الأرضِ فحسب، ولا تواجدَ له خارجَها على الإطلاق.

أضف تعليق