ولجيل Z هوجات يحسُبها البعض ثورات!

تُعدّ الأجيال البشرية مرآةً لتحوّلات الوعي الجمعي عبر العصور، ولا سيّما حين تتعرّض الأنظمة السياسية والاجتماعية إلى اختلالاتٍ حادّة في التوازن بين السلطة والمجتمع. ومن بين هذه الأجيال يبرز ما يُعرف بـ جيل زد (Generation Z)، أي أولئك الذين وُلدوا في أواخر تسعينيات القرن العشرين وبدايات الألفية الثالثة، ونشأوا في عالمٍ رقميّ متّصلٍ دائمًا بالشبكة، مُشبَعٍ بصور الحرية والمشاركة والانفتاح.
هذا الجيل، الذي تربّى على الإيقاع السريع للمعلومة والاتصال، كان من الطبيعي أن يُبدي حساسيةً عالية تجاه السلطة، وأن يميل إلى رفض الوصاية الأبويّة، سواء أكانت اجتماعيةً أم سياسيةً. غير أنّ التمرّد عند جيل زد لم يعد امتدادًا كلاسيكيًّا لثورات الماضي، بل أصبح مزيجًا من الاحتجاج الرقميّ والتعبير الجسديّ اللحظيّ؛ تمرّد لا يخطّط لِما بعد الانفجار بقدر ما يحتفي بفعل الانفجار ذاته.
تاريخ الإنسان على هذا الكوكب يمكن قراءته بوصفه سلسلةً من محاولات الانعتاق من السلطة القائمة، أيًا كان شكلها: ملكية، دينية، استعمارية، أو عسكرية.
لكن اللافت أنَّ معظم هذه المحاولات انتهت بإخفاقٍ بنيويّ، إذ سرعان ما استبدلت الشعوب سلطةً بسلطة، ونظامًا بآخر لا يقلّ عنه قمعًا أو تسلّطًا.
من الثورة الفرنسية التي أفرزت حكم نابوليون، إلى الثورة الروسية التي أنجبت ستالينيةً أكثر قسوة من القيصرية، إلى الثورات العربية التي مهّدت لعودة العسكر؛ تتكرّر النتيجة وكأنّ التاريخ يعيد إنتاج ذاته تحت شعاراتٍ مختلفة.
والمفارقة التي يرصدها النصّ تكمن في أنَّ الشباب الثائر غالبًا ما يُستَخدم وقودًا لمشروعات الآخرين: فحماستهم تفتح ثغرة في جدار النظام القائم، ليعبر منها طامحو السلطة الجدد. ولعلّ المثل الإنجليزي الذي استشهدت به — “طريق جهنم معبّد بالنوايا الحسنة” — يُوجز المأساة بأبلغ عبارة ممكنة.
ما حدث في جزيرة مدغشقر في الأيام الأخيرة من تمردٍ شبابيّ واسع ضد النظام الحاكم، قبل أن ينقلب المشهد بتولّي الجيش مقاليد السلطة، ليس إلا تجلّيًا جديدًا للقانون التاريخي ذاته: كلُّ فراغٍ في السلطة يجتذِب العسكر.
فالثورة التي انطلقت بدافع رفض الفساد وسوء توزيع الثروة، ما لبثت أن تحوّلت إلى فرصةٍ مثاليةٍ للقوى المنظّمة، أي الجيش، كي يملأ الفراغ الذي عجزت قوى الشباب عن ملئه.
لم يكن ذلك بسبب ضعف الإرادة، بل بسبب غياب الرؤية المؤسسية والنضج السياسي اللازم لتحويل الغضب إلى مشروعٍ واقعيّ للإصلاح.
إنّ ما يميّز التمرّد الشبابي في عصر “جيل زد” هو كونه لحظةَ وعيٍ أخلاقيّ أكثر منه مشروعًا سياسيًا متكاملًا؛ وبهذا المعنى فهو تعبير صادق عن رفض الظلم، لكنه عاجز عن بلورة بديلٍ تاريخيّ متماسك.
تمتلك الثورات الشبابية، في بدايتها، طاقةً أخلاقيةً جارفة. فهي تطمح إلى العدالة والمساواة والكرامة، وتؤمن بأنّ إسقاط السلطة القائمة كفيلٌ بتحقيقها. لكن ما تجهله — أو تتجاهله — هو أن النظام الاجتماعي لا يُستبدل بقرارٍ عاطفيّ، بل ببنية فكرية ومؤسسية جديدة.
فحين يغيب الوعي بالبديل، يتقدّم أصحاب التنظيم والانضباط، أي الجيش أو الأحزاب العقائدية القديمة، ليملأوا الفراغ السياسي باسم “الإنقاذ الوطني”.
إنّ رومانسية جيل زد الثورية تتكسّر أمام واقعية العسكر الباردة، لأنّ الشجاعة وحدها لا تكفي لتأسيس دولة. وما لم يُقترن الحلم ببرنامجٍ واقعيّ، سيظلّ التمرّد مجرّد احتفال رمزيّ بالعجز الجماعي.
من المنظور السوسيولوجي، يمكن فهم التمرّد الشبابي المعاصر بوصفه صرخة ضدّ اللامعنى أكثر مما هو ضدّ السلطة ذاتها. فجيل زد وُلد في عالمٍ يعجّ بالخطاب الأخلاقي المزدوج:
الدول تتحدّث عن الحرية وتُمارس الرقابة.
الشركات تروّج للعدالة الاجتماعية وتستغلّ العمّال.
السياسيون يدّعون الشفافية ويمارسون التلاعب الإعلامي.
أمام هذا الانفصام، يصبح التمرّد ضرورة وجودية أكثر منه خيارًا سياسيًا. لكنه أيضًا ردّ فعل انفعاليّ، ما لم يتجاوز لحظة الغضب إلى بناء الوعي النقديّ المنظّم. ومن هنا فإنّ التمرّد، بقدر ما هو دلالة حيوية على نبض الجيل، فهو أيضًا شاهدٌ على هشاشة الوعي الجمعيّ في زمن العواطف السريعة والقرارات الفورية.
ما جرى في مدغشقر ليس استثناءً، بل تكرارٌ لمأساةٍ أزلية: حين يثور الشباب بلا رؤية، يتولّى العسكر الحكم باسم “الاستقرار”.
تاريخ التمرّد الإنساني، من باريس إلى القاهرة، ومن موسكو إلى مدغشقر، يعلّمنا أنَّ الثورة الحقيقية ليست في إسقاط النظام بل في تجاوز نمط التفكير الذي أنتجه.
جيل زد يملك الوعي، لكنه يحتاج إلى البوصلة؛ يملك الجرأة، لكنه يفتقر إلى التنظيم؛ يملك الحلم، لكنه لم يكتشف بعد أن الطريق إلى الحرية لا يمرّ عبر الفوضى، بل عبر بناء مؤسساتٍ تقي الحرية من أن تبتلع نفسها.
فلعلّ السؤال الذي ينبغي أن يُطرح في نهاية المطاف هو:
هل التمرّد غاية في ذاته، أم مجرّد مرآةٍ لعجز الإنسان عن إصلاح نفسه قبل أن يسعى لإصلاح العالم؟

أضف تعليق