إيذاء الحيوان لِذاته… من الملاحظة السلوكية إلى الجرح الحضاري

حين بدأ الباحثون في سلوك الحيوان يلاحظون أن بعض الكائنات تؤذي نفسها عمدًا أو تدخل في حالات سلوكٍ انتحاري، بدا الأمر في أول الأمر غريبًا، بل مستحيلًا. فالحيوان، في التصور الكلاسيكي، محكومٌ بغريزة البقاء وحدها، وليس له من الوعي ما يمكّنه من أن يتعمّد الأذى أو يختار الفناء. غير أنّ تراكُم الملاحظات الميدانية والتجارب المخبرية خلال العقود الأخيرة أطاح بهذه الصورة الساذجة، فكشف عن طيفٍ واسع من السلوكيات التي قد يُدرَج كثيرٌ منها في خانة “إيذاء الذات”.

في القرن العشرين والواحد والعشرين ظهرت كتب عديدة حاولت سبر هذا اللغز. من أبرزها:
• “Pain and Behavior in Animals” لباتريك بيتسون، الذي ربط بين الألم الفيزيولوجي والسلوك التكيفي.
• “Animals and Human Morality” لروزاليند هيرستهاوس، الذي طرح السؤال الأخلاقي حول مسؤولية الإنسان عن معاناة الحيوان.
• “When Elephants Weep” لجيفري ماسون، الذي قدّم أوّل مقاربة عاطفية موثّقة لحزن الحيوان وإيذائه لنفسه.
• وأخيرًا، العمل الفريد “Animal Self-Harm: A Study of Agency and Despair” لعالم السلوك الحيواني جودسمان (Godsman)، الذي شكّل نقطة تحوّل في فهم الظاهرة.
يُعدّ كتاب جودسمان واحدًا من أهم الأعمال التي خرجت عن الإطار البيولوجي البحت، إذ عالج الظاهرة من منظور مركّب يجمع بين السلوك التطوري، والنفس الحيوانية، والبيئة الحضارية.
يرى جودسمان أنّ إيذاء الحيوان لذاته ليس سلوكًا غريزيًا ولا اعتلالًا فرديًا، بل صرخة وجودية تنبثق حين يُقصى الكائن الحيّ عن نظامه البيئي الطبيعي، ويُجبر على التكيّف مع واقعٍ لا تملك ذاكرته التطورية أدوات مواجهته.
في حالاتٍ معينة – كجنوح الحيتان أو رفض بعض الطيور للأكل بعد فقدان شركائها – لا يكون الانتحار فعلًا مقصودًا، بل رد فعل هروبيًّا أمام ضغطٍ لا يحتمله النظام العصبي، وهو ما يسميه جودسمان بـ “defensive collapse” أو “الانهيار الدفاعي”.
رسالة جودسمان المركزية هي وجوب النظر إلى الحيوان لا كموضوع ملاحظة، بل ككائن يمتلك درجة من الوعي بالألم والمعاناة تُلزِم الإنسان بمراجعة علاقته به. ويطرح المؤلف مقاربة جديدة لتفسير الظاهرة، قوامها أن سلوك إيذاء الذات في الحيوان هو مؤشر إنذاري مبكر على خلل أعمق في النظام البيئي سببه الإنسان. فكل فعلٍ عدواني ضد الطبيعة يخلق سلسلة من الاضطرابات النفسية والسلوكية في الكائنات الأخرى.
انطلاقًا من طروحات جودسمان، يمكن النظر إلى هذه الظاهرة باعتبارها مرآةً لانهيار التوازن بين الإنسان والعالم الطبيعي.
لقد دفع “إنسان الحضارة المعاصرة” الكائنات إلى حدودها القصوى: تلوّث، ضجيج، فقدان المواطن الطبيعية، تغيّر المناخ، وعبثٌ بالنظم الغذائية والتناسلية.
ولأن الحيوان لا يمتلك أدوات رمزية للتعبير عن المعاناة كما يفعل الإنسان، فإن جسده يصبح وسيلة التعبير الأخيرة. فإيذاؤه لذاته ليس سوى محاولة يائسة لاستدعاء “ذاكرته التطورية” بحثًا عن مخرجٍ من اختناقٍ وجوديٍّ لا يُطاق.
وجنوح الحيتان المتكرر – على سبيل المثال – يقدّم نموذجًا مأساويًا على ذلك. فهذه الكائنات، التي تعتمد على الموجات الصوتية في التواصل والملاحة، تجد نفسها فجأة عاجزة عن السمع وسط ضجيج المحركات والسونارات العسكرية، فتلجأ إلى الشاطئ في فعل يبدو كأنه انتحار بيولوجي بطيء.
إن معاناة الحيوان ليست سوى صدى خارجي لمعاناة الإنسان الداخلية.
فالإنسان الذي يؤذي ذاته بتدمير بيئته، لن يلبث أن يرى انعكاس فعله في وجوه الكائنات التي تشاركه الكوكب.
وإذا كان الحيوان، في لحظة يأسه البيولوجي، يُقدِم على إيذاء نفسه، فذلك لأن الإنسان سبقَه إلى ذلك حين أدار ظهره للطبيعة التي منها جاء.
ولعلّ أبلغ ما يمكن أن نختم به هو أن انتحار الحيوان ليس سوى صرخة صامتة في وجه الحضارة؛ صرخة تقول إنّ الألم لم يعد يُطاق، وأن الكوكب كلّه على وشك أن يشارك هذه الكائنات فعلها الأخير.

أضف تعليق