
تُعد مقولة المهندس المعماري والمفكر الأمريكي باكمينستر فولر (Buckminster Fuller) واحدة من أكثر العبارات إلهاماً وعمقاً في فلسفة التغيير والإصلاح:
“You never change things by fighting existing reality. To change something, build a new model that makes the existing model obsolete.”
“أنت لا تغيّر الأشياء أبدًا عن طريق محاربة الواقع القائم. لتغيير شيء ما، ابنِ نموذجًا جديدًا يجعل النموذج القائم قديمًا وبلا قيمة.”
إن القيمة الحقيقية لهذه المقولة لا تكمن في الحث على الابتكار فحسب، بل في إدراك فولر المستبصر للطبيعة البشرية؛ تلك الطبيعة التي تحركها الدوافع التطورية والميل الفطري نحو المنفعة المحتملة وتفادي الخطر، بدلاً من الاستجابة لأوامر المواجهة أو الإرغام المباشر.
فشل المواجهة المباشرة: منطق التطور البشري
يفشل العديد من القادة، وصناع القرار، بل وحتى الآباء والأمهات، في إحداث تغيير حقيقي لأنهم يعتمدون على آليات الضغط والمقاومة المباشرة. إن محاولة “محاربة” الواقع القائم تولّد غالباً مقاومة معاكسة وتخلق استقطاباً، لأنها تتجاهل أن الإنسان بطبعه:
– مدفوع بالمنفعة (Incentive-Driven): الكائن البشري (والكائنات الحية عموماً) يميل إلى تبني الخيار الذي يوفر بقاءً أفضل، راحة أكبر، أو منفعة أعلى.
– كاره للمخاطرة والتكلفة (Cost Avoidance): التمسك بالواقع القائم، مهما كان قبيحاً، يوفر شعوراً بالأمان على الأقل، ومطالبة الناس بالتخلي عن هذا الواقع (بمحاربته) هي مطالبة لهم بتحمل تكلفة نفسية ومادية غير مضمونة النتائج.
يُحسب لفولر إدراكه العميق لهذه الخلفية التطورية لردود الأفعال البشرية. لقد أدرك أن العقل البشري لن يتخلى عن “نموذج الأمس” بمجرد إخبار صاحبه بأنه سيئ، بل سيتخلى عنه طوعاً وبدافع ذاتي إذا ما ظهر “نموذج الغد” كخيار أفضل بشكل لا لبس فيه.
البناء كقوة جاذبة: من القصر إلى النموذج الاقتصادي
تتجلى عبقرية فولر في تحويل مسار الطاقة من صراع سلبي (Fighting) إلى بناء إيجابي (Building). فبدلاً من استهلاك الموارد في الهدم والمواجهة، يوجهها نحو خلق بديل متفوق:
– في التقنية والابتكار: لا تحارب الشركات سيطرة منافسيها القديمة، بل تصنع منتجاً أو خدمة جديدة تتجاوز كل عيوب المنافس القديم، فيصبح القديم مهملاً لا محارباً.
– في الإصلاح الاجتماعي: لا تبدأ حملة التغيير بالهجوم على عادات المجتمع السائدة، بل بإنشاء مؤسسة أو منظومة جديدة تقدم حلولاً مغرية تجعل تلك العادات غير عملية أو غير ضرورية.
هنا يبرز التشابه المذهل مع الحكمة المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي، والتي تحمل نفس الجوهر الفلسفي العميق للتغيير البشري:
“لا تطالب الفقراء بهدم أكواخهم، ولكن ابنِ قصراً على مقربة، عندها سيهجرون الأكواخ ويسكنون القصر.”
هذه المقولة، سواء نُسبت للإمام علي بن أبي طالب أو كانت حكمة معاصرة، هي التجسيد الأوضح لفلسفة فولر على المستوى الاجتماعي:
– “الأكواخ” هي “الواقع القائم” (Existing Model).
– “القصر” هو “النموذج الجديد” (New Model) الذي يقدم منفعة أعلى (راحة، أمان، كرامة).
– “هجران الأكواخ” يتم بشكل طوعي وتلقائي، دون إرغام أو قتال، مدفوعاً بنزعة التطور نحو الأفضل.
فن القيادة بالتفوق
إن مقولة باكمينستر فولر ليست مجرد شعار تشجيعي، بل هي دليل عمل للقيادة الفعالة والتأثير الحقيقي. إنها تذكير بأن أعظم قوة للتغيير تكمن في إبداع بدائل تجعل السوء القديم بلا جدوى، بدلاً من الاكتفاء بمحاربته.
إن النجاح في إحداث تغيير مستدام يتطلب: فهم الطبيعة البشرية، توجيه الطاقة نحو البناء، وترك قوة الجاذبية للبديل الأفضل لتفعل فعلها. فالتغيير لا يُفرض، بل يُجذب إليه الناس عبر بوابة المنفعة والتفوق.
