تُعَدّ مقولة «كونيّة الشرّ» واحدةً من أكثر المقولات الفلسفية إشكالًا في تاريخ الفكر الإنساني، لما تنطوي عليه من مصادرةٍ ميتافيزيقيةٍ تفرض على الوجود سِمَةً لا تليق ببنيته النظاميّة المحكمة. إذ يفترض القائلون بها أنّ الشرّ مبدأ كونيٌّ أصيل، يقابل الخير على نحوٍ جدليٍّ توازنيٍّ يضمن للكون اتزانه. غير أنّ هذا التصوّر ينهار عند إخضاعه للتحليل العقلي والنقد الفلسفي، إذ يتّضح أنّه وليدُ نزعةٍ معرفيّةٍ مخصوصةٍ بالإنسان، لا بالكون ذاته.
يُسقِط الإنسان على الوجود تصوّراته وقيمه ومشاعره، فيحوِّل ما هو كونيّ إلى ما هو إنسانيّ، وهو ما عرّفته الفلسفة الحديثة بالنزعة الأنثروبومورفية (Anthropomorphism). هذه النزعة، القائمة على «أنسنة» الوجود، تجعل من الظواهر الطبيعية تجلّياتٍ لصفاتٍ بشريةٍ كالخير والشرّ، في حين أنّها في أصلها محكومةٌ بقوانين سببيّة لا علاقة لها بالتصوّرات الأخلاقية أو الانفعالية للإنسان. ومن ثمّ، فإنّ القول بكونيّة الشرّ ليس سوى مظهرٍ من مظاهر هذا الإسقاط الأنثروبومورفي.
يُشيعُ بعضُ المفكّرين القول بأنّ الوجود لا يمكن أن يقوم إلّا على ثنائيةٍ متقابلةٍ من قوى الخير والشرّ، وأنّ اتزان الكون مرهونٌ بتكافئهما. غير أنّ هذا التصوّر يعاني من خللٍ منطقيٍّ جوهريّ؛ إذ يُسند إلى الشرّ وجودًا موضوعيًا مستقلًّا، في حين أنّ الشرّ من حيث طبيعته ليس جوهرًا قائمًا بذاته، بل هو نقصٌ في الخير أو غيابه. وهذه الفكرة التي تعود جذورها إلى أفلوطين وأوغسطين تؤكد أنّ الشرّ لا يُمثّل مبدأ وجوديًّا، بل ظاهرةً نسبيةً تنشأ من انحراف الإرادة عن مقتضى النظام العقلي والخلقي للوجود.
من منظورٍ دينيٍّ، لا سيّما في التصوّر القرآني، يُرجَع ظهورُ الشرّ إلى فعل الإنسان نفسه، لا إلى البنية الكونية. فالقصة الرمزية لأكل آدم من الشجرة المحرّمة تُقدَّم نموذجًا تأسيسيًا يوضّح أنّ الشرّ نتيجةٌ لاختيارٍ حرّ، لا مبدأٌ أزليٌّ في الوجود. ومن ثمّ، فإنّ الشرّ محدودٌ بحدود التجربة الإنسانية الأرضية، ولا يمتدّ إلى ما وراءها. فالقرآن الكريم يُسند الشرّ إلى فعل الإنسان: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (النساء: 79)، بما يفيد أنّه ظاهرة أخلاقية ناتجة عن الحرية، لا عن طبيعة الوجود.
يتبيّن من هذا التحليل أنّ القول بكونيّة الشرّ قولٌ متهافتٌ، لأنه ينشأ من إسقاطٍ بشريٍّ على الوجود، لا من ملاحظةٍ موضوعيةٍ له. فالشرّ ليس مبدأً كونيًّا، بل عرضٌ إنسانيٌّ ارتبط بوعي الإنسان وقدرته على الاختيار. والوجود، في نظامه الكونيّ، محكومٌ بقوانين الخير والانتظام، بينما يظلّ الشرّ أثرًا من آثار الحرية، ونتيجةً لتقصير الإنسان في الانسجام مع تلك القوانين. وبذلك، يغدو الشرّ حادثًا أرضيًا لا كونيًّا، وظاهرةً أخلاقية لا ميتافيزيقية.
