
ظلّ علمُ التأثيل (Etymology) في المدارس الغربية، منذ القرن التاسع عشر، أسيرًا لفرضية “العائلة الهندو-أوروبية” التي تعاملت مع اللغات السامية على أنها نسقٌ موازٍ لا أصلٌ سابق. وقد أدى هذا التصور إلى بناء منظومات اشتقاقية متفرقة تفصل اللغات الأوروبية عن جذورها الأولى، وتحصرها في مقطعٍ زمني متأخر من التاريخ اللغوي الإنساني.
غير أن إعادة النظر في المسارات الصوتية والدلالية العميقة للكلمات الأوروبية، حين تُقرأ في ضوء الجذور العربية، تكشف عن خيوط اتصال خفية لكنها متماسكة، تشير إلى أن العربية كانت اللغة الأم التي انبثقت عنها اللغات اللاحقة، بعد أن تحوّلت أصواتها في البيئات الجديدة شمال المتوسط.
فيما يلي ثلاث كلمات نموذجية تكشف هذا الامتداد التاريخي المجهول: Foot، Favor، Proche.
الجذر العربي للكلمة الإنجليزية Foot
1. الدلالة المشتركة:
الفعل العربي وَفَدَ يعني جاء من بعيد، قصد وجهة بعيدة ثم وصلها. وهو فعل الحركة الموجّهة نحو هدف.
أما الكلمة الإنكليزية Foot، فهي الأداة التي تتحقق بها الحركة والمجيء والقدوم. الدلالة إذًا واحدة: “القدوم” و“الانتقال”.
2. التحول الصوتي:
وَفَد → فوَد → فوت → Foot
حُذِفت الواو الافتتاحية كما هو مألوف في التحولات الجرمانية القديمة.
تحوّلت الدال إلى تاء (d → t) وفق قاعدة صوتية معروفة في قانون غريم (Grimm’s Law).
امتدّت الحركة بين الفاء والتاء لتوليد الصوت الطويل في “foot”.
بهذا، يمكن النظر إلى foot على أنها أثر صوتي من الجذر العربي وفد، وقد تحوّل فيها فعل المجيء إلى أداة المجيء ذاتها. وهو ما يمكن اعتباره تحولاً من الدلالة الفعلية إلى الدلالة الآلية.
الجذر العربي للكلمة الإنجليزية Favor
1. الدلالة المشتركة:
في العربية، الجذر فَضْل يفيد معنى الزيادة والإكرام والعطاء والميل الإيجابي.
وفي الإنكليزية Favor تعني الميل، التفضيل، الإحسان.
إنها ذات الدائرة الدلالية التي تربط “الفَضْل” بالعطف والميل.
2. التحول الصوتي:
فَضْل → فَضَر → فَفَر → فَفُر → Favor
تحوّل الضاد إلى v (صوت احتكاكي قريب من المخرج).
تبادل موضع بين اللام والراء (ظاهرة metathesis شائعة بين اللغات السامية واللاتينية).
مدّ الحركة بين الفاء والراء لإعطاء الإيقاع الصوتي اللاتيني.
وهكذا انتقلت الكلمة من الجذر العربي فضل لتُعيد إنتاجه صوتيًا في اللاتينية (favor) والفرنسية (faveur) والإنكليزية (favor)، مع احتفاظها بجوهر معناها الأصلي.
الجذر العربي للكلمة الفرنسية Proche
1. الدلالة المشتركة:
العربية قُرْب تدل على الدنوّ والاقتراب المكاني أو المعنوي.
وفي الفرنسية Proche المعنى نفسه: “قريب” أو “ملاصق”.
التماثل هنا دلالي كامل.
2. التحول الصوتي:
قُرْب → بَقَر → بَرُق → بروش → Proche
تبادل موضع بين القاف والباء (ظاهرة تبادلية مألوفة في التحولات اللهجية القديمة).
خفّت القاف تدريجيًا حتى صارت صوتًا بين k وsh في اللهجات الشمالية القديمة.
احتُفظ بالوزن الصوتي الثلاثي الأصلي (ق-ر-ب → p-r-ch).
من هنا يمكن القول إن proche ليست ابنة “prope” اللاتينية كما تزعم المدرسة التقليدية، بل إن كليهما ابنتان من الجذر العربي “قرب” الذي حملته الموجات اللغوية السامية الأولى إلى أوروبا.
يتبين من ذلك أن هذه الكلمات خضعت لتحولات صوتية منتظمة تراعي بيئات النطق الجديدة، لكنها حافظت على بنيتها الأصلية ودلالتها الجوهرية، مما يرجّح أن العربية كانت المرحلة اللغوية السابقة التي منها انبثقت اللغات الجرمانية واللاتينية والرومانسية.
إن الاقتصار على التأثيل الأوروبي لهذه الكلمات وفق المدرسة الهندو-أوروبية يُبقي البحث أسيرًا لمقطع زمني متأخر، ويغفل الطبقة الأقدم التي كانت فيها العربية هي لسان الأجداد الأولين قبل تفرّقهم في جهات الأرض.
وإنّ أخذ الأصل العربي بنظر الاعتبار لا يكتفي بإعادة بناء مسار تطور الكلمات الثلاث، بل يفتح الباب أمام إعادة صياغة تاريخ اللغة البشرية برمّته، في ضوء فرضية أن العربية ليست “إحدى اللغات السامية” بل الأصل السامي الأول الذي انبثقت منه اللغات الأوروبية بعد تحولات صوتية وزمانية متتابعة.
فما نراه في foot وfavor وproche ليس سوى صدى بعيدٍ لأصواتٍ نطقت بها العرب الأُوَل، حين كانت لغتهم هي اللغة التي تتكلم بها الإنسانية قبل أن تتفرّع في جغرافيات العالم.
