“الإرادة المُفعَّلة” في مواجهة اليانصيب الجيني ويانصيب التنشئة

يُعَد علم النفس الوراثي (أو علم الوراثة السلوكي) أحد أكثر حقول المعرفة إثارة للجدل والفضول. فمنذ عقود، انصب تركيز هذا العلم على فك رموز العلاقة الشائكة بين ما ورثه الإنسان من جينات (الطبيعة) وما اكتسبه من خبرات (التنشئة)، وكيف يشكل هذا التفاعل السلوك الإنساني، بما في ذلك الميول المعقدة والمظلمة كالنزعات الإجرامية. ورغم أن هذا البحث قد أكد وجود “قابلية وراثية” لسمات عديدة، إلا أن نتائجه تُقدم، على نحو مفارق، أقوى دليل على قوة الإرادة الإنسانية الفاعلة في صياغة المصير.
1. الجينات تُرشد… لا تُحَتّم: نتائج علم النفس الوراثي
تؤكد الأبحاث المرجعية في علم الوراثة السلوكي، كما ورد في مؤلفات رواد كروبرت بلومين، أن الوراثة تلعب دوراً متوسطاً (يقدر عادة بنسبة 40-50%) في تشكيل الاختلافات الفردية في سمات مثل الذكاء، والشخصية، وحتى الاستعداد للسلوك المعادي للمجتمع أو الإجرامي.
إن مفهوم “توريث النزعة الإجرامية” الذي تتناوله هذه الكتب لا يعني وجود “جين للجريمة”، بل وجود “استعداد وراثي” (Genetic Predisposition) يزيد من احتمالية انحراف السلوك. هذا الاستعداد هو نتيجة لتفاعل معقد بين مئات الجينات. النقطة الجوهرية التي يخلص إليها هذا العلم هي: الجينات تُقدم مسودة، وليست نسخة نهائية للحياة.
2. الإرادة الفاعلة كقوة مضادة للماضي الوراثي
إن إثبات أن الوراثة تمنح “استعداداً” وليس “حكماً بالإدانة”، هو في حد ذاته أعظم إثبات لدور الإرادة الحرة. فإذا كان التكوين الجيني يزيد من ميل الفرد نحو تكرار نمط سلوكي إجرامي متوارث في السلالة، فإن ذلك يضع على عاتق الإنسان مسؤولية واعية ومُلحة.
هنا يبرز دور الإرادة المفعلة كقوة تتجاوز “الماضي الجيني”. عندما يدرك الإنسان أنه ورث قابلية ما، فإنه يملك القدرة على:
– الوعي والاعتراف: عدم اعتبار الجينات عذراً للسلوك، بل دعوة للعمل الواعي.
– التوظيف الإيجابي للإرادة: اتخاذ القرارات اليومية التي تتعارض مع الميل الوراثي. إن الفرد ليس “نسخة طبق الأصل” من أي شيء سلبي في ماضيه الوراثي، لأنه يملك الآلية الوحيدة التي لا يمكن أن تبرمجها الجينات أو البيئة بالكامل: حرية الاختيار المقاوِم.
3. الإرادة تتفق مع التفاعل الوراثي البيئي
لا يقتصر دور الإرادة على مواجهة الوراثة فحسب، بل يمتد ليتفق تماماً مع نموذج التفاعل الوراثي البيئي (Gene-Environment Interaction). هذا النموذج يقر بأن السلوك السلبي لا يظهر إلا عندما يتفاعل الاستعداد الجيني مع بيئة محفزة سلبية (مثل التربية القاسية، أو الإهمال، أو الفشل الاجتماعي).
الإرادة الفاعلة هي الأداة التي يمكن للفرد من خلالها “تغيير بيئته الداخلية والخارجية” كرد فعل على الاستعداد الوراثي والتربوي السلبي:
– التصدي لآثار التنشئة: يمكن للإنسان البالغ أن يقرر بوعي رفض العادات السلوكية الضارة التي ترسخت لديه نتيجة تربيته الأسرية أو المجتمعية، من خلال السعي للتعلم والارتباط ببيئات إيجابية جديدة.
– اختيار المسار البديل: حتى لو كانت التربية والمجتمع يضغطان نحو مسار معين، فإن تفعيل الإرادة يتيح للفرد البحث عن “بيئة غير مشتركة” (Non-shared Environment) إيجابية، وبذلك يتصدى للآثار السلبية للـ “بيئة المشتركة” التي شكلته.
إن جوهر الرسالة المستخلصة من أعمق الأبحاث في علم النفس الوراثي ليس “أنت رهينة لجيناتك”، بل “أنت صانع خياراتك حتى في ظل وجود استعداداتك”. الإرادة الإنسانية المفعلة تملك القدرة على جعل صاحبها يصبح إنساناً آخر غير ذاك الذي كان بالامكان أن يكونه لو أنه استسلم للورقة التي سحبت له في “اليانصيب الجيني” أو في “يانصيب التنشئة”.
إن القدرة على التعافي، والتغيير، وصياغة شخصية جديدة متحررة من عبء الماضي الوراثي أو البيئي السلبي، ليست مجرد أمل فلسفي، بل هي نتيجة منطقية لكون تأثير الجينات والبيئة جزئياً وغير حتمي. إن إرادتك هي مفتاحك لتصبح معمار ذاتك ومصمم مصيرك، متجاوزاً بذلك كل ما كان يهدف إلى جعلك نسخة مكررة من أي سوء في ماضيك تنشئةً وجينات.

أضف تعليق