
من بين أعقد الأسئلة التي واجهت الفكر الإنساني منذ نشأته سؤالُ: كيف يحدث الوجود؟
أهو ثمرة تسلسل سببيٍّ مغلق تحكمه القوانين؟ أم هو فعلٌ إلهيٌّ مباشر يتجاوز هذه القوانين؟
جاء القرآن الكريم ليقدّم إجابة تتخطّى هذا التقابل المألوف بين “العلم الطبيعي” و”الميتافيزيقا”، إذ يعرض تصورًا ثالثًا يتأسس على مبدإ مزدوج: قانونية الظواهر من جهة، وتعالي الإرادة الإلهية عنها من جهة أخرى.
فالقرآن لا ينكر الأسباب ولا يجعلها خالقة بذاتها، بل يقرّر أنها مجرد وسائط في نظامٍ شامل بثَّه الله تعالى في الكون، وسخّره لتسيير شؤونه. وفي المقابل، يكشف النقاب عن وجود مستوى آخر من الأفعال الإلهية التي تتجاوز هذا النظام السببي نفسه، وهي المعجزات التي تقع بكلمةٍ واحدة: “كُن فيكون”.
حين يتحدث القرآن عن الأسباب، فهو لا يقصد بها العلّة الميكانيكية بالمعنى الأرسطي أو الديكارتي، بل يقصد بها سننًا إلهية محكمة تنتظم بها الظواهر.
قال تعالى:
“قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا” (الكهف: 84).
فالسبب في المفهوم القرآني ليس فاعلًا مستقلاً، بل رمزٌ للقانون الإلهي الذي يعمل بإذن الله.
إنه حلقة من شبكةٍ كونية متكاملة تعمل بإيقاعٍ واحد، لأن مصدرها واحد: الإرادة الإلهية المستمرة في الخلق والتدبير.
وهكذا، فالعلم حين يكتشف “قانون الجاذبية” أو “قانون الطاقة” لا يكتشف قوة مستقلة عن الله، بل يكشف عن لغةٍ من لغات الإرادة الإلهية التي تتجلى في انتظام الكون.
إن مفهوم “السننية” في القرآن هو محاولة لتقنين الفعل الإلهي في الوجود دون أن يُختزل في العلية الصمّاء. فالله هو الذي أقام الأسباب، وكفَل لها مهمّة التسيير، ولكنه لم يفوّضها الاستقلال عن إرادته.
ولذلك جاء قوله تعالى:
“اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ” (الزمر: 62).
في مقابل هذا التسلسل السببي العام، يُخصِّ القرآن بعض الأحداث بصفة الاستثناء الإلهي، وهي ما نطلق عليه المعجزات.
والمعجزة ليست خرقًا عبثيًا للنظام الكوني، بل إيقافٌ مؤقتٌ لفاعلية الأسباب ليظهر فعل الله المباشر دون وسائط.
قال تعالى:
“إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ” (يس: 82).
هنا لا يكون الفعل نتاج سلسلة من الأسباب، بل يكون وليد الإرادة الإلهية المباشرة، التي تخلق الشيء فورًا دون زمن أو وسائط.
فإحياء الموتى على يد عيسى عليه السلام، وانفلاق البحر لموسى، وخروج النار من دون وقود لإبراهيم، كلها وقائع تأسيسية تكشف أن المعجزة ليست كسرًا للقانون بل تعليقًا له لحظةً ليتجلّى مصدره الأصلي.
وبهذا المعنى، فإن المعجزة ليست ضد الطبيعة، بل هي تذكيرٌ بأن الطبيعة ذاتها ليست سوى أداة في يد القدرة الإلهية.
فالكون ليس آلة ميكانيكية تعمل بذاتها، ولا مسرحًا لفوضى بلا نظام؛ بل هو نظامٌ يعبّر عن انتظام إرادة الله.
والمعجزات تأتي لتذكّر الإنسان أن هذا النظام ليس مكتفيًا بذاته، بل هو خاضع لإرادة أعلى يمكنها أن توقفه متى شاءت.
ثمة خطأ شائع في الفهم الديني حين يُتصوَّر أن المعجزة تقع “خارج” النظام الكوني، بينما الحقيقة أنها تقع ضمن النظام الأشمل الذي يشمل القوانين والاستثناءات معًا.
فالله هو واضع النظام، وهو القادر على تعليقه.
قال تعالى:
“سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا” (الفتح: 23).
غير أن هذه السنّة الإلهية في انتظام الكون لا تنفي إمكان التبديل في المقام الإعجازي، لأن المعجزة نفسها سُنّة استثنائية.
فكما أن قانون الجاذبية هو سنة في الفيزياء، كذلك قانون الإرادة المباشرة هو سنة في العوالم الغيبية.
القرآن بهذا المعنى لا يقول بكونٍ مغلقٍ محكومٍ بالقوانين فقط، بل بكونٍ مفتوحٍ على الغيب، تُطلّ فيه الإرادة الإلهية كلما شاءت.
يميز القرآن بين عالمين:
عالم الشهادة: وهو ما ندركه بالحس والتجربة والعقل، وتعمل فيه الأسباب.
عالم الغيب: وهو مجال الأمر الإلهي المباشر، حيث تتحقق الأشياء بإرادة الله دون وسائط.
قال تعالى:
“أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ” (الأعراف: 54).
فالخلق يشير إلى المجال الذي تعمل فيه القوانين والسنن، أما “الأمر” فهو المنطقة التي يتجلّى فيها فعل الإرادة الإلهية المحض.
والمعجزة تقع عند نقطة التماس بين العالمين: حين ينفذ “الأمر” في “الخلق” فيحدث ما لا يمكن تفسيره بالسنن المعهودة.
إنها لحظة عبور الإرادة الإلهية من الغيب إلى الشهادة.
إن هذا الفهم القرآني للوجود يقدّم أساسًا إبستمولوجيًا جديدًا يمكن بفضله تجاوز التعارض المصطنع بين “العلم” و”الإيمان”.
فالعلم يبحث في الأسباب بوصفها دلائل، لا خصومًا للإرادة الإلهية، والإيمان يدرك أن وراء الأسباب مسببًا لا تحده القوانين.
وهكذا يصبح الكون كتابًا مفتوحًا يقرأ فيه العقل آثار الله في الأسباب، كما يقرأ المؤمن آيات الله في المعجزات.
إن إعادة بناء التصور الإيماني للوجود على هذا الأساس تجعل الإنسان شاهدًا مزدوجًا:
شاهدًا على انتظام النظام، وشاهدًا على قدرة من أوجده على أن يخرق نظامه متى شاء.
ففي انتظام الكون عبادة للعقل، وفي استثناء المعجزات عبادة للقلب.
الوجود في الرؤية القرآنية ليس بنية مغلقة تحكمها الضرورة المادية، ولا فوضى بلا ضابط، بل هو نظام مفتوح على فعل الخالق.
إن الأسباب تعمل بإذنه، وتتعطل بإذنه، وكل ما يجري في الوجود هو آية من آيات كلمته التي لم تنقطع:
“إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ” (البقرة: 117).
وهكذا، فإن المعجزة ليست استثناءً على الله، بل تجسيدٌ له، كما أن القوانين ليست شركاء في الفعل، بل شهودٌ عليه.
وبذلك يُعاد للإنسان وعيُه بموقعه في الكون: لا سيدًا على الوجود ولا عبدًا للأسباب، بل شاهدًا على الإرادة الإلهية التي تجري بها كلُّ الأشياء.
