في معنى قَولِ اللهِ تعالى “قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ”

من بين خصائصِ لسانِ القرآنِ العربي المبين أنَّ للكلمةِ القرآنية أن تشاركَ كلمةً عربيةً غيرَ قرآنية في الجذرِ اللغوي وتتمايزَ عنها في المعنى. ومثال ذلك الكلمةُ القرآنية “طائعين”، فهي تُشارك الكلمةَ غير القرآنية “مطيعين” ذاتَ الجذر اللغوي (طَوَعَ)، ولكنها تختلفُ عنها في المعنى. فكلمةُ “مطيعين” هي ضديدُ كلمة “عاصين”، أما الكلمةُ القرآنية “طائعين”، فإن بالإمكانِ تبيُّنَ معناها الذي تنطوي عليه، وذلك بتدبِّر قولِ اللهِ تعالى “أَتَيْنَا طَائِعِين” في الآيةِ الكريمة 11 فصلت أعلاه. فبالإمكان إيجاز هذا الاللقب ما يعنى بالكلماتِ التالية: “جئناك بمَلكِنا ومن تلقاءِ أنفسِنا ومن دون حاجةٍ لأن تُكرَهنا على ذلك”.
ولقد شدَّدَ القرآنُ العكظيم على هذا غالمعنى في المواطنِ التالية:
1- (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُون) (83 آل عِمران).
2- (قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ) (53 التوبة).
3- (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال) (15 الرعد).
4- (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِين) (11 فصلت).
فـ “الكَره” هنا هو القَسر والإجبار بما ينطويان عليه من معنى الحمل على الفعل واضطرار الفاعل إليه اضطراراً على الضدِّ من إرادتِه. أما “الطَّوع” فهو قيامُ المرءِ بالفعل بمحضِ إرادتِه ومن دون أن يضطرَّه إليه أحد.
فمِلاكُ الأمر إذاً، وقوامُه، متعلِّقٌ أولاً وقبل كل شيء بالإرادة؛ فالسمواتُ والأرض جاءتا اللهَ تعالى بمحضِ إرادتِهما ومن دون أن يُكرِهَهما اللهُ تعالى على ذلك. ولذلك فالسموات والأرض، إذ جاءتا اللهَ تعالى طوعاً، فإنهما إنما جاءتاه طائعتَين، وبالمعنى الذي تتجلى فيه صفاتُ التنازلِ عن إرادتِهما لإرادةِ اللهِ تعالى. وهذا معنى لا ينبغي أن يُظَنَّ أنه يماثلُ المعنى الذي تشتملُ عليه كلمةُ “مطيعين”. وهذا الفارقُ الدقيقُ اللطيف بين الكلمةِ القرآنية “طائعين” وكلمةِ “مطيعين” يمثِّل تجلياً من تجلياتِ بلاغةِ القرآن التي لا تعدلُها بلاغة.

أضف تعليق