متى يدركُ الإنسانُ أنه ذو إرادةٍ إن هو فعَّلها لم يضره من ماضي تخلُّقِه شيء؟

الإنسانُ كائنٌ ذو إرادة” حقيقةٌ يصرُّ السوادُ الأعظم من البشر على تناسيها والتغافلِ عنها والاستسلام المُذِل لإراداتٍ يتوهم أنه عاجزٌ عن الحيلولةِ بينها وبين إحكامِ سيطرتِها عليه وتوجيهِه الوجهةَ التي ترتأيها. ولو أنَّ الإنسانَ قام بتفعيل إرادتِه، عوضَ الاكتفاء بالبكاء على أطلالِ كيانِه الذي تهاوى بفعلِ ضرباتِ مطرقةِ ماضي تخلُّقِه تنشأةً وجينات، لكان بمقدورِه أن يصبحَ “إنساناً آخر” غير ذاك الذي صيَّره تخاذلُه وتقاعسُه وتهاونُه وخضوعُه لظنونِه وأوهامِه. صحيحٌ أنَّ الماضي التخلُّقي للإنسان قويٌّ شديد، غير أنَّ بإمكانِ الإنسانِ دوماً أن يسلبَ هذا الماضي كلَّ قوتِه بمجردِ أن يقومَ بتفعيلِ إرادتِه ويتولى زمامَ المبادرة من دون تذرُّعٍ بما اشتمل عليه ماضيه من سيءِ الجينات وما انطوى عليه من سوءِ تربية. فإذا كان الإنسانُ “مسيَّراً” في كثيرٍ من أمورِه التي لا يملك أن يعيدَ عقاربَ الساعةِ إلى الوراء ليحولَ دون تمكُّنِها من صياغةِ وتحديدِ تكوينِه، فإنه “مخيَّرٌ” التخييرَ كلَّه ليُفعِّلَ إرادتَه وبالقدر الذي يكفل له أن يكونَ حراً عصياً على كلِّ تأثيرٍ يسعى لفرضِه عليه تحالفُ الجيناتِ السيئة والتربية غيرِ السوية.
إن للإنسانِ إرادةً له مطلقُ الحرية في تفعيلِها أو تركِها على حالِها؛ فإن هو فعَّلها كان له بذلك أن يصبحَ الإنسانَ الذي خُلِقَ ليكونَه، وإن هو تركها تفعل ما تشاء تآمرت مع ما في ماضيه التخلُّقي من سوءٍ كوَّنته جيناتٌ سيئة وتربيةٌ لا تقلُّ عنها سوءاً.

أضف تعليق