مقاربة إبستمولوجية في حدود العلم ومعنى المعجزة… أصحاب الكهف مثالاً

شهد الفكر الإسلامي في القرنين الأخيرين ظاهرة لافتة عُرفت باسم “التفسير العلمي للقرآن”، وهي محاولة لقراءة النص القرآني في ضوء مكتشفات العلم الحديث، بغية إثبات أن لا تعارض بين الدين والعقل أو بين الوحي والتجربة. وقد انطلقت هذه المحاولات من نية حسنة في الغالب، تتمثل في الدفاع عن الدين أمام موجات الإلحاد والنزعات المادية التي رافقت الثورة العلمية والصناعية. غير أن حسن النية لا يعفي المنهج من النقد، خاصة حين يجنح إلى تسويغ المعجزات بمنطقٍ تجريبي يفترض أن قوانين الطبيعة صالحة لشرح ما هو فوق الطبيعة.
ومن بين النماذج التي كثيراً ما استُشهد بها في هذا السياق قصة أصحاب الكهف، تلك الحادثة القرآنية التي جعلها بعض المفسرين المحدثين نموذجاً لإثبات أن القرآن يتحدث عن “سباتٍ بيولوجي” شبيه بما يُعرف في عالم الحيوان بـ”hibernation”. إلا أن هذه المقاربة، وإن بدت علمية في ظاهرها، تقع في تناقضٍ مزدوجٍ مع الدين والعلم على حد سواء.
إن المنهج العلمي الحديث يقوم على قوانين عامة قابلة للتكرار والملاحظة، ويفترض أن كل ظاهرة يمكن تفسيرها ضمن شبكة من الأسباب الطبيعية التي لا تتبدل. ومن ثم، فإن الظواهر الخارقة بطبيعتها — أي تلك التي تنقض هذه القوانين أو تتجاوزها — لا تقع ضمن مجال البحث العلمي، لأنها لا تقبل الاختبار أو التكرار.
وبهذا، فإن من يتوسل بالعلم لتفسير المعجزة يرتكب خطأً إبستمولوجياً؛ إذ يستخدم أداةً معرفية في مجالٍ لا تصلح له. فالمعجزة ليست حدثًا طبيعيًا يمكن “شرحُه”، بل حدثٌ فوق-طبيعي يُقصَد به أن يُذكّر الإنسان بعجز أدواته المعرفية أمام قدرة الخالق.
فالعلم، في جوهره، لا يتعامل مع المفردات النادرة، بل مع الظواهر المنتظمة؛ بينما المعجزة انقطاعٌ في انتظام الظواهر، أي خروجها عن القانون العام. ومن هنا، فإن إخضاعها للمنهج العلمي ليس تفسيرًا بل نقضٌ لمفهوم المعجزة نفسه.
قال تعالى:
“وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا” (الكهف: 25).
“وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَّزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ” (الكهف: 17).
“وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ” (الكهف: 18).
يرى دعاة “التفسير العلمي” أن هذه الآيات تلمح إلى وجود شروط بيولوجية وبيئية مثالية (هواء نقي، اعتدال حرارة، تقليب أجساد) تجعل نومهم الطويل “ممكناً علمياً”. إلا أن هذا التفسير يتجاهل أن الآية نفسها تتحدث عن مدة زمنية تتجاوز حدود القانون الفيزيولوجي البشري، إذ لا يمكن لأي جسد حي أن يبقى قرونًا دون تحلل أو تغير، حتى في أفضل الظروف الطبيعية.
إن ما يصفه النص ليس “نومًا مطولًا” بل تعليقًا للزمن البيولوجي نفسه، وهو ما يعجز العلم عن تمثيله أو تفسيره. فلو أمكن تفسير ذلك بقانونٍ من قوانين الطبيعة، لانتفت صفة المعجزة، ولأمكن للبشر أن يعيدوا إنتاجها في المختبر.
من جهة الدين:
يفترض التفسير العلمي أن الله يعمل داخل حدود القوانين المادية ذاتها التي وضعها، بينما جوهر المعجزة في أنها خرقٌ رمزي لهذه الحدود، لتذكير الإنسان بمصدرها ومحدوديته. وهنا، يصبح “العجز عن التفسير” هو عين المقصود الإيماني من المعجزة.
ومن جهة العلم:
يُعد تفسير ما يخالف قوانين العلم باستخدام تلك القوانين نفسها خروجًا على المنهج التجريبي. فالعلم لا يملك أدوات لفهم ما لا يخضع لشرطه الأساس: التكرار والاختبار. فحين يُقحم العلم في مجالٍ ما وراء التجربة، يفقد صفة العلم ذاته ويتحول إلى تأويلٍ إيماني متنكر في ثوبٍ تجريبي.
ليست المعجزة، في ضوء هذا الفهم، نقضًا للعقل بل تذكيرٌ بحدوده. فهي لا تدعو إلى تعليق التفكير، بل إلى إدراك أن ثمة طبقات من الوجود لا تفي القوانين المادية وحدها بتفسيرها.
ومن ثم، فإن العلاقة بين الدين والعلم لا ينبغي أن تُفهم على أنها علاقة “إثبات” و”نفي”، بل على أنها تكامل في مستويات المعرفة:
العلم يفسر الكيفية التي تعمل بها الظواهر،
بينما الدين يجيب عن الغاية من وجودها.
فإذا كان العلم يصف حركة الكواكب، فالإيمان يتأمل في لماذا تتحرك أصلاً، وفي من الذي جعلها تنتظم دون فوضى.
إن قصة أصحاب الكهف لا تُقدَّم في القرآن بوصفها لغزًا بيولوجيًا، بل آيةً على بقاء الروح الإيمانية رغم مرور الزمن. إنها إعلانٌ بأن الزمن الإلهي ليس هو الزمن البشري، وأن الخالق قادر على أن يجمّد الوجود في لحظة، ثم يبعثه من جديد كما يشاء.
ولذلك فإن محاولة تفسير هذه الظاهرة بأدوات العلم الحديث ليست دفاعًا عن الدين، بل تخليًا غير مقصود عن منطقه الإيماني، وإخضاع للوحي لمقاييس التجربة المحدودة.
فالعلم، مهما بلغ، يظل داخل الزمن؛ أما المعجزة فهي لحظةٌ يخترق فيها المطلقُ النسبيَّ، ليذكر الإنسان بأنه، مهما اتسعت معارفه، سيبقى كائنًا محدودًا يُطل على اللامحدود بعقلٍ حددته حواسه من قبل.

– محمد أحمد الغمراوي، الإسلام في عصر العلم، القاهرة: دار المعارف، 1955.
– زكي نجيب محمود، تجديد الفكر العربي، بيروت: دار الشروق، 1971.
– محمد حسين الذهبي، التفسير والمفسرون، القاهرة: دار الكتب الحديثة، 1976.
– توماس كون، بنية الثورات العلمية، ترجمة: فؤاد زكريا، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون، 1986.
– كارل بوبر، منطق البحث العلمي، ترجمة: عبد الرحمن بدوي، القاهرة: دار النهضة، 1974.

أضف تعليق