
تُعَدّ الإرادة واحدةً من أكثر المفاهيم التباساً في تاريخ الفكر الإنساني، إذ تتأرجح مكانتها بين من يراها قدرةً حرة مطلقة، ومن يعدّها وهماً من أوهام الوعي البشري الخاضع لحتميات الوراثة والبيئة. غير أن السؤال الجوهري الذي يواجه الإنسان في واقعه الوجودي لا يتعلق بإثبات وجود الإرادة من عدمه، بل بمدى وعيه بامتلاكه لها، وبالقدرة التي تمنحها له في إعادة تشكيل ذاته، بمعزلٍ عن محددات ماضيه الجيني والتربوي.
يُسلّم كثير من الناس بعجزهم أمام ما يُسمّى بـ “ماضي التخلّق”، أي ذلك التاريخ المركّب من الجينات الموروثة، وأنماط التنشئة الأولى، وما تخلّف عنهما من استعداداتٍ سلوكية ونفسية تبدو وكأنها قدر لا فكاك منه. هذا التصور يُفضي إلى نوعٍ من الاستسلام الإرادي المقنّع، حيث يُسوّغ الإنسان عجزه عبر تفسيرٍ حتميٍّ لذاته، فيغدو أسيراً لماضيه، متوهّماً أن لا قدرة له على الانعتاق منه.
غير أن التجارب النفسية والفلسفية الحديثة، من فيكتور فرانكل إلى مدارس العلاج المعرفي، تؤكد أن الإرادة ليست استجابةً لماضٍ متحكِّم، بل قوةٌ واعيةٌ في الحاضر قادرة على إعادة توجيه أثر الماضي نفسه. فالإرادة حين تُفعَّل، تُحدث انقطاعاً في سلسلة العلل التكوينية، وتجعل من الإنسان فاعلاً لا مفعولاً به.
لا يمكن للإنسان أن يتحرر من ماضيه عبر إنكاره، بل عبر تفعيل وعيه النقدي به، واستحضار إرادته بوصفها الطاقة القادرة على إعادة تنظيم منظومته النفسية والمعرفية. إن الجينات السيئة أو التربية المنحرفة ليست قدراً مُبرماً، وإنما عوامل أولية يمكن تجاوزها بفعلٍ إراديٍّ واعٍ يعيد صياغة العلاقة بين “ما كان” و”ما يمكن أن يكون”.
فالإنسان – وإن كان “مُسيّراً” في منشئه البيولوجي – يبقى “مخيّراً” في كيفية توجيه ما أُتيح له من طاقاتٍ داخلية. ومن هنا تبرز الإرادة كآليةٍ وجودية تمكّن الفرد من إعادة كتابة ذاته، لا من خارجها، بل من داخل حدودها.
إن إدراك الإنسان لكونه ذا إرادةٍ فاعلة هو لحظة ولادته الثانية. فحين يعي أن له حرية الاختيار بين أن يُفعّل إرادته أو يُعطّلها، يدرك أن ماضيه لم يعد قيداً عليه إلا بقدر ما يسمح له هو بذلك. فالإرادة ليست مجرد رد فعل على المحدّدات، بل هي إعلان سيادة الإنسان على تاريخه التكويني، وتأكيد أن الحرية لا تُمنح، بل تُستعاد بفعلٍ واعٍ ومستمر.
وهكذا يتحقق للإنسان أن يكون ما خُلِق ليكونه: كائناً ذا وعيٍ وإرادة، قادراً على تجاوز ما صاغه من قبلُ، ليصوغ ذاته من جديد.
