
لم يكن خبرُ سرقةِ تاجِ الإمبراطورة أوجيني من متحف اللوفر مجرّد واقعةٍ إجراميةٍ عابرة، بل حدثًا يمكن أن يُقرأ بوصفه تجلّيًا رمزيًا لخللٍ أعمق في البنية الروحية والسياسية للجمهورية الفرنسية.
فاللوفر، الذي أُقيم ليكون معبدًا لذاكرة الأمة، تعرّض لاهتزازٍ يمسّ المعنى الذي تأسست عليه فكرة “فرنسا الحديثة” ذاتها: التحول من ماضٍ إمبراطوري إلى جمهوريةٍ عقلانيةٍ تصون تراثها.
ومن هذا المنظور، فإنّ ضياع تاج أوجيني لا يُفهم إلا في سياق ما تعيشه فرنسا اليوم من تصدّع في ركائز جمهوريتها الخامسة التي أسّسها شارل ديغول قبل أكثر من ستة عقود.
الإمبراطورة أوجيني، آخر سيدات البلاط الإمبراطوري الفرنسي، كانت تمثّل في عصرها الوجه الأنثوي لهيبة الدولة النابليونية، رمزًا للأناقة والقوة والعظمة الأوروبية. أما تاجها، فكان تجسيدًا مادّيًا لسلطةٍ آمنت بقدَرها الإمبراطوري على حكم القارة.
واليوم، بعد قرن ونصف، يُعاد مشهد الفقد — ولكن لا على رأس امرأة، بل على رأس دولةٍ بأكملها. فـ ماكرون، الذي قدّم نفسه وريثًا للعقلانية الديغولية، يبدو عاجزًا عن الإمساك بتاج الجمهورية، تمامًا كما عجزت أوجيني عن إنقاذ عرش زوجها عشية سقوط الإمبراطورية الثانية.
إنّ تكرار الصورة بين تاجٍ مفقودٍ ورئيسٍ مرتبكٍ ليس مصادفةً رمزية، بل إشارة إلى لحظة أفولٍ حضاري تتكرّر في الوعي الفرنسي كلما انفصلت النخبة عن الأمة.
حادثة السرقة هذه، بما فيها من خرقٍ أمنيٍّ فاضح، ليست سوى انعكاسٍ رمزي لفقدان السيطرة داخل بنية الدولة نفسها.
لقد حذّر العاملون في المتحف مرارًا من ضعف الحماية وقلة عدد الموظفين، لكن صوتهم لم يُسمع. هذا الصممُ المؤسسيّ يذكّرنا بصممٍ آخر يعانيه النظام السياسي الفرنسي أمام صرخات الطبقات الوسطى والعمال والطلاب.
فما جرى داخل اللوفر لا يختلف كثيرًا عمّا يجري في الشوارع الفرنسية: تصدّع في آليات الحماية، ولامبالاة في مراكز القرار، وانفصال بين رموز السلطة والواقع الاجتماعي.
وبهذا المعنى، فإنّ سرقة التاج ليست جريمة ضد الذاكرة، بل ضد فكرة الدولة ذاتها.
عندما فُقد التاج، لم يُفقَد معه الذهب والماس فقط، بل فُقدت معه إحدى آخر الصلات العاطفية التي تربط الفرنسيين بماضيهم الإمبراطوري.
فالمتاحف، في الوعي الجمعي الفرنسي، هي المعادل الثقافي للمقدسات، ومكانُها هو “الزمن المعلّق” الذي يحرس هوية الأمة من التآكل.
وحين يُنتهك هذا الحرم، فإنّ الأمة كلّها تُصاب بما يشبه “الارتجاج الرمزي”، إذ تدرك أنها عاجزة عن حماية ذاكرتها كما هي عاجزة عن حماية حاضرها السياسي.
إنّ ما يحدث اليوم في فرنسا هو نوع من “الفقد المزدوج”: فقدان الأشياء وفقدان المعاني. ومتى ما التبس المادي بالرمزي، تبدأ الحضارات بالانزلاق نحو ما بعد التاريخ.
منذ أن صاغ ديغول دستور الجمهورية الخامسة عام 1958، قُدِّم النظام الفرنسي للعالم نموذجًا للتوازن بين الرئاسة القوية والديمقراطية البرلمانية.
لكن هذا التوازن تآكل تدريجيًا مع تحوّل الرئاسة إلى مسرحٍ للشخصيات لا للمؤسسات، ومع انخراط فرنسا في دوّامة عولمية أفقدتها ثقتها بذاتها كقوة ثقافية وروحية.
ومع كل أزمةٍ اقتصادية أو احتجاجٍ شعبي أو فشلٍ دبلوماسي، يتّضح أنّ الركائز التي قامت عليها الجمهورية الخامسة بدأت تتفسّخ.
ولعلّ حادثة التاج ليست سوى العرض الأوضح لمرضٍ مستتر: غياب الإرادة السياسية في حفظ رمز الأمة ومؤسساتها معًا.
إنّ السؤال الحقيقي ليس عن هوية السارق، بل عن هوية المسروق منه.
هل ما زالت فرنسا تملك هويةً جمهورية جامعة يمكنها أن تحميها؟
فإذا كانت الثورة الأولى قد أطاحت بالملوك، والثالثة قد أعلنت العلمانية، والرابعة قد انهارت في الحرب، والخامسة قد وُلدت على أنقاض الاستعمار، فهل تكون السادسة هي الجمهورية التي تُولد من سرقة تاج؟
إنّ ما تحتاجه فرنسا اليوم ليس زعيمًا جديدًا، بل إعادة تأسيس للمعنى الجمهوري ذاته، معنى يوازن بين الحرية والكرامة والسيادة الثقافية في وجه تفكك العولمة.
لقد ضاع تاج أوجيني، لكن الأدهى أن فرنسا تبدو وقد فقدت الرأس الذي يحمل التاج.
ذلك الرأس الذي كان يرمز يومًا إلى الحكمة، إلى “روح الجمهورية” التي جعلت من فرنسا ضمير أوروبا.
وإنّ لم تستفق الأمة سريعًا، فقد يأتي يوم يُعرض فيه في متحف اللوفر تاج آخر: تاج الجمهورية نفسها، موضوعًا في قاعة “القطع المفقودة” جنبًا إلى جنب مع آثار الملوك الذين ظنّوا أن فرنسا لا يمكن أن تموت.
