
لم يكن ضياع تاج الإمبراطورة أوجيني من متحف اللوفر قبل يومين سوى مقدّمة رمزية لما سيعقبه سريعًا من حدثٍ أكثر وقعًا: دخول الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي إلى السجن تنفيذًا لحكمٍ قضائي يقضي بسجنه خمس سنوات بتهمة تلقي الرشى من دولةٍ أجنبية لتمويل حملته الانتخابية.
إنّ تزامن هذين الحدثين في ظرفٍ زمني لا يتجاوز يومين يفتح باب التأمل على مصراعيه: أهي مجرد مصادفة زمنية، أم أن التاريخ بدأ يعلن بصوته العالي أفول الجمهورية الخامسة التي شيّدها الجنرال ديغول على أنقاض مجدٍ قديمٍ توهّمت فرنسا أنه خالد؟
ضياع تاج الإمبراطورة أوجيني، رمز العظمة النابليونية والأنوثة الإمبراطورية، كان في ظاهره جريمة ضد الذاكرة، لكنه في جوهره جريمة ضد الدولة.
واليوم، حين يُزجّ برئيسٍ من رؤساء الجمهورية الخامسة في السجن بتهمة تلقي أموال غير مشروعة، فإنّ المشهد يتجاوز الفضيحة ليغدو تجسيدًا لموت الرأس الجمهوري الذي كان يفترض به أن يحمي الدستور.
فما الفرق بين تاجٍ يُسرق من معبد الذاكرة الوطنية، ورئيسٍ يسرق من شرف الأمة؟
كلاهما رمزان نُزِع عنهما البريق والشرعية في لحظةٍ واحدة، وكأنّ التاريخ أراد أن يعرض على الفرنسيين مشهد انهيارين متزامنين: انهيار الذاكرة، وانهيار الضمير.
في النظام الرمزي للجمهوريات الحديثة، يُمثّل الرئيسُ “الضامن الأعلى للنزاهة الجمهورية”، كما يُمثّل المتحفُ “الضامن الأعلى للذاكرة الوطنية”.
لكن ما الذي يعنيه أن يُسلب المعبد، وأن يُدان الحارس؟
إنّ فرنسا اليوم تشهد أخطر أنواع الانهيار: انهيار القيم التي أسّست جمهوريتها الحديثة.
فالذي يُفترض به أن يحرس القانون، خانَه؛ والذي يُفترض به أن يحرس التراث، عجز عن حمايته.
وهكذا، التقت الجريمة الجنائية بالجريمة الأخلاقية لتعلنا بصوتٍ واحد: انتهاء أسطورة الدولة التي كانت تفخر بأنّها ضمير أوروبا.
حين أعلن الجنرال ديغول قيام الجمهورية الخامسة عام 1958، أرادها أن تكون نظامًا يردّ الاعتبار لهيبة الدولة الفرنسية بعد الهزائم والتقلّبات السياسية.
لكن بعد أكثر من ستة عقود، يبدو أن هذه الجمهورية لم تعد تحكم فرنسا، بل تحكمها فضائحها.
ففي العقود الأخيرة، توالى على الإليزيه رؤساء تلاحقهم الاتهامات: من التمويل غير المشروع إلى استغلال النفوذ، وصولًا إلى إدانة رئيسٍ سابقٍ بجرائم فسادٍ دوليّة.
إنها لحظة تاريخية غير مسبوقة في الذاكرة الفرنسية الحديثة: أن يدخل رأسٌ من رؤوس الجمهورية السجن باسم العدالة التي طالما رفع رايتها.
التاج المسروق من اللوفر لم يكن مجرّد قطعةٍ من الماس، بل رمزًا لزمنٍ كانت فيه فرنسا تعرف كيف تصنع أسطورتها.
أما اليوم، فالمحاكم الفرنسية تحاكم رموزها لا أعداءها، وتضع رؤساءها خلف القضبان بدل أن تضع خصومها فيها.
التحوّل عميق:
اللوفر يُفرّغ من رموزه المادية؛
والإليزيه يُفرّغ من رموزه المعنوية.
وما بين المعبد والمحكمة، تتساقط آخر الأقنعة التي كانت تخفي تآكل الفكرة الجمهورية نفسها.
لم تعد فرنسا في حاجةٍ إلى خصمٍ خارجيٍ كي تهتز، فقد بدأ انهيارها من داخل مؤسساتها: من المتحف إلى القضاء إلى الرئاسة.
ولعلّ ما يثير الأسى أنّ تاريخها يكرر ذاته بصورةٍ ساخرة: فكما سقطت الإمبراطورية الثانية بفضائح الحكم، تسقط اليوم الجمهورية الخامسة بفضائح الدولة.
إنّ سرقة تاج الإمبراطورة وسجن الرئيس الأسبق لا يمكن قراءتهما إلا في ضوء واحد: فقدان فرنسا لتوازنها بين المبدأ والواقع، بين الشرف والسلطة.
لقد ضاع التاج من اللوفر، ودخل الرئيس السجن، وبين الحادثتين تجسّدت مأساة فرنسا الحديثة: دولةٌ كانت تملك رموزها، فصارت رموزها عبئًا عليها.
قد لا تكون هذه الأحداث نهاية الجمهورية الخامسة رسميًا، لكنها بالتأكيد نهاية ثقتها بنفسها.
وإن لم تستفق الأمة الفرنسية سريعًا، فقد يأتي اليوم الذي يُعرض فيه في متحف اللوفر تاجٌ آخر، تاج الجمهورية نفسها، وقد وُضع في جناحٍ جديدٍ يحمل اسمًا يليق بالعبرة:
“Salle de la Vertu Perdue” — قاعة الفضيلة المفقودة.
