
جُبِلَ الإنسانُ على طبعٍ نزق يجعلُه، إن هو استسلم لما يأمرُه به، كائناً متطلباً مطالباً بما يفترض أنها “حقوقُه المشروعة” التي اكتسبها بالولادة. وإذا عجزت الدنيا عن أن تسارعَ إلى تلبيةِ مطالبِه، والاستجابةِ لكلِّ ما يأمرُ به، فعندها يغلب عليه طبعُه وترى منه العجَبَ العُجاب من سخطٍ وتبرُّم وشكوى من كلِّ شيء إشفاقاً منه على ذاتِه. فالإنسانُ حُرِمَ “الرضا” يومَ ارتضى أن ينصاعَ لما تأمرُه به نفسُه من السوء، متذرعاً بافتقارِه لما يمكِّنُه من ممانعتِها والعزوفِ عن مطاوعتِها.
ولو أننا تفحصنا قائمةَ الصفاتِ البشرية التي تعجزُ البايولوجيا التطورية عن التعليلِ لها بإرجاعِها إلى ماضي الإنسان التطوري، لما وجدنا صفةً تعدلُ “السخطَ” استعصاءً على ذلك. فالحيوان مخلوق يرضى بقدرِه، لا لأنه “أغبى” من أن يدركَ ما يدركُه الإنسان، ولكن لأنه لم يُخلَق هلوعاً جزوعاً شكاءً بكاءً متذمراً عبوساً قنوطاً قتورا كما خُلِقَ الإنسان. فالإنسان إذ خُلِقَ بهذه الصفات، فإنه إنما ابتُلِيَ بها ليمحِّصَ اللهُ تعالى البشرَ أيهم يسعى بكلِّ ما أوتيَ من قوة وإرادة لتغييرِ قدرِه الخَلقي هذا. وهذا سعيٌ لا يستطيعُه إلا مَن لم يستسلم لِما تبثُّه فيه النفسُ من ظنونٍ وأوهام خلاصتُها أنه أعجزُ من أن يكونَ بمقدورِه أن يقهرَ قدرَه الخَلقي هذا، وقلةٌ هم أولئك الذين أدركوا أنَّ اللهَ تعالى إنما ابتلاهم بالنفسِ وبما تبثُّه فيهم من الظنونِ والأوهام ليعلمَ إن كانوا أهلاً ليمدَّ لهم يدَ عونِه فينتشلَهم من هذا المعتركِ الملحَمي إلى برِّ الأمان.
ولعل هذا أن يكونَ العلةَ من وراءِ دعاءِ النبي زكريا بأن يرزقَه اللهُ تعالى “ولياً” لم يختر له صفةً أرادَه أن يكونَ متصفاً بها إلا “الرضا”: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا) (من 5- 6 مريم). وهنا لابد من الإشارةِ إلى أنَّ النبيَّ زكريا كان قد سألَ اللهَ تعالى أن يهبَ له هذا الولي “الرَّضي” لسابقِ خبرتِه مع البشر، وكان قد بلغَ من الكِبَرِ عتياً، الأمرُ الذي جعله يدرك أنَّ أسوأ ما في البشرِ هو انتفاءُ وجودِ هذه الصفة: صفةُ الرضا بالقَدَرِ الذي لا قدرةَ للمرءِ على أن يُعمِلَ فيه إرادتَه ليغيِّرَه.
