لغز القسوة البشرية… انحراف تطوري أم ثمن للوعي؟

يمثّل الإنسان تناقضاً وجودياً مدهشاً؛ فهو الكائن القادر على بناء المعابد الفخمة وتلحين أرقّ السيمفونيات، وفي الوقت ذاته، هو القادر على ارتكاب أبشع صور التنكيل والقسوة التي تزلزل الضمير. وكما عبّر الفيلسوف وعالم الرياضيات الفرنسي بليز باسكال في “تأملاته”، فإنّ الإنسان يظلّ لغزاً عجيباً يجمع في آن واحد أسمى درجات الرقي وأحطّ درجات الانحطاط. يثير هذا التناقض سؤالاً جوهرياً: إذا كان الإنسان نتاجاً لـ “ماضٍ تطوري” مشترك مع عالم الحيوان، فلماذا يشذّ سلوكياً بهذا القدر من غلظة القلب، والمبالغة في الانتقام، والإصرار على إيذاء الآخرين على نحو يتجاوز الإساءة الأصلية بمراحل؟ وهل المنفعة التطورية التي يُزعم أنها أوجبت الحصول على هذا السلوك لا تظهر أصولاً حيوانية لها؟
غالباً ما تركّز المقاربة الداروينية على التشابهات البيولوجية والفسيولوجية بين الإنسان والكائنات الأخرى لتأكيد أصلنا المشترك. لكننا نواجه تحدياً صعباً عند دراسة السلوك. ففي عالم الحيوان، تميل السلوكيات العدوانية إلى أن تكون وظيفية ومقيدة؛ إنها استراتيجيات بقاء واضحة المعالم: دفاع عن المورد، أو إقصاء منافس، أو حماية النسل. ونادراً ما يُلاحظ الانتقام المبالغ فيه أو القسوة المُجردة التي لا تخدم هدفاً مباشراً للبقاء. وحتى السلوكيات العنيفة (كقتل الذكور لذرية منافسيهم)، وإن كانت قاسية، تظل جزءاً من استراتيجية وراثية.
وهنا يبرز سؤال الانحراف البشري: ما هي المنفعة التطورية التي استوجبت تحوّل “رد الفعل” من أداة وظيفية متناسبة إلى غاية تدميرية غير متناسبة على الإطلاق؟ لماذا يؤثر الإنسان النزوع إلى الرد على الإساءة بمثلها أو أسوأ منها، بدلاً من التعويض أو التسامح، كخيار قد يكون أكثر “كفاءة” اجتماعياً؟
يكمن السر في هذا التحول على الأرجح في تعقيدنا المعرفي الفريد. إنّ القسوة البشرية هي ثمن جانبي لملكاتنا العقلية المتقدمة، لا سيما القدرة على التجريد، التخطيط للمستقبل، وتكوين “النظرية الذهنية” (Theory of Mind).
– القدرة على التجريد وتخزين الإساءة: الحيوان يتفاعل مع اللحظة. أما الإنسان فيمتلك القدرة على “تخزين” الإهانة لسنوات، وبناء سيناريوهات انتقام معقدة ومستقبلية لا تتناسب مع الحدث الأصلي. يصبح الانتقام المفرط أداة، ليس للبقاء المادي، بل لترسيخ “الوضع الاجتماعي” أو لـ “استعادة الذات” المُهانة في عالمه النفسي.
– قوة الردع المُبالغ فيها: قد يكون المغزى التطوري الأولي للإفراط في العقاب هو خلق قوة ردع هائلة في المجتمعات البدائية التي كانت تفتقر إلى الأطر القانونية. لكن هذا النزوع تطور ليصبح حاجة نفسية عميقة تتجسّد في الإصرار على دفع الآخرين “الثمن أضعافاً مضاعفة”، حتى ولو كان الضرر الأصلي غير مقصود.
تتجلى أشد صور القسوة في السلوكيات التي تفتقر إلى أي منفعة تطورية أو بيولوجية، بل وتهدد سلامة الجيل القادم. ولعل المثال الأكثر إيلاماً هو أنانية الأبوين اللذين ينغمسان في شجار مستمر لا ينتهي، وينسيان تماماً أن هناك عيوناً بريئة مملوءة بالدموع تراقبهما، لأطفال لا ذنب لهم سوى أنهم نتاج زواج هذين الكائنين المتمركزين حول الذات.
هذه القسوة “غير الوظيفية” لا تخدم البقاء ولا الهيمنة الاجتماعية. إنها نتاج “فشل في التعاطف” و”هيمنة الأنا” المفرطة، ربما بسبب ضغوط الحياة الحديثة أو الانفصال عن غريزة الـ Homo Sapiens المجتمعية التي تفرض حماية الصغار كأولوية قصوى. هذا السلوك يثبت أن الانحراف السلوكي ليس دائماً مسألة “كسب تطوري”، بل قد يكون مسألة “فشل نفسي واجتماعي” في إدارة التعقيد البشري.
إن مراجعة سريعة لما تضج به المواقع الإخبارية ووسائل التواصل الاجتماعي تؤكد أن القسوة البشرية ليست استثناءً عابراً. ربما كان ثمن “الوعي” و”الذات” و”القدرة على التفكير المجرد” ليس فقط الحضارة والإبداع، بل أيضاً تلك القدرة الكامنة على أن نكون “الشر الأعظم” الذي يهدد ذاته ومجتمعه. يدعونا لغز القسوة البشرية إلى التشكيك في المقاربات التطورية التي أغفلت هذه الانحرافات السلوكية العميقة. ويبقى التحدي الإنساني الحقيقي هو: هل يمكننا، عبر وعينا الفذ، أن نختار التسامي على هذا النزوع الانتقامي، وأن نستثمر قدرتنا على التجريد لا لتخطيط الإيذاء، بل لتصميم التعاطف والرحمة؟

أضف تعليق