ألبرتو مورافيا… من فضح زيف الإنسان إلى تفعيل إرادته الخيّرة

يُعدّ الأديب الإيطالي الكبير ألبرتو مورافيا (Alberto Moravia) قامة محورية في الأدب الأوروبي الحديث، إذ لم يكن مجرد راوٍ للقصص، بل مشرِّحاً للروح البشرية عبر عدسة نقدية لاذعة. يمثل مشروعه الفكري، الذي تبلور في رواياته ومذكراته، إسهاماً جوهرياً في كشف النقاب عن حقيقة الإنسان المتوارية خلف زيف الحياة اليومية واهتماماتها وعلاقاتها، سواء كانت عاطفية ملتبسة أو عدوانية صريحة.

الميراث النقدي: الإنسان المسكون باللامبالاة والضجر
يمكن تلخيص المشروع المعرفي لمورافيا في كونه تشخيصاً لا يرحم للعلل الوجودية في المجتمع الإيطالي، خاصة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. لقد وجّه مورافيا انتقاداته اللاذعة للطبقة البرجوازية التي تبنّت اللامبالاة كدرع، والاستهلاك المادي كبديل للقيمة الروحية. ففي رواياته، يصبح الجسد والجنس رموزاً لـالفساد الأوسع وعبادة المادة، بينما يعيش أبطاله حالة من الاغتراب والضجر وانهيار التواصل، كما في أعماله الرئيسية مثل “زمن اللامبالاة” و”السأم” و”الاحتقار”.
من خلال هذه الملاحظات الثاقبة، يخلُص مورافيا إلى استنتاج مرير حول حقيقة الإنسان: إنه مخلوق ضعيف ووحيد، لا يمتلك سبيلاً للسيطرة على عالمه الداخلي المضطرب أو عالمه الخارجي المتغير. لقد نجح مورافيا ببراعة في تعرية عيوب الذات البشرية وإظهار عجزها عن العيش بصدق في زمن الزيف الشامل.

تحدي مورافيا: قوة الإرادة والنصر الروحي
على الرغم من تشاؤم مورافيا الوجودي، فإن أعماله تضع القارئ أمام مفترق طرق حاسم: إن الإنسان مخلوق ضعيف في مواجهة التحديات المعاصرة، وإن هو استسلم لهذه التحديات (من ضجر واستهلاك وزيف) سحقته وأبقته في حالة العزلة الروحية.
ولكن، في هذا المشهد المظلم، تكمن بصيص الإضافة الروحية التي يمكن استخلاصها لتكملة ما بدأه مورافيا. فإذا كان مورافيا قد انشغل بالتمام والكلية بتشخيص عيوب الذات حتى أشغلته عن تبين معالم طريق الخلاص الروحي، فإن النظرة المتعمقة لأدبه تتيح لنا تفعيل هذه النتيجة المعرفية:
إن حقيقة الإنسان لا تكتمل إلا بـتفعيل الإرادة. هنا تكمن قوة الملاحظة المورافية، فالإنسان، على ضعفه، هو الكائن الوحيد القادر على المواجهة:
– المواجهة بالقوة (الأخلاقية): تكون أحياناً بـإرادة عازمة على التصدي للفساد والقيم الزائفة، ما يتطلب شجاعة أخلاقية حقيقية تتجاوز اللامبالاة.
– المواجهة بالحكمة: وتكون أحياناً أخرى بـالحكمة، أي القدرة على التمييز بين الزيف والأصالة، والقبول الواعي للواقع دون الانغماس فيه.
إن تفعيل الإرادة الخيّرة هو الطريق لتحقيق النصر الروحي. هذا النصر ليس غلبة على الآخرين، بل غلبة على ألد الأعداء: اللامبالاة الداخلية والزيف الخارجي.
|
من التشخيص إلى الوصفة العلاجية
لقد أدى مورافيا دوره كاملاً كـطبيب مُشرِّح للمجتمع والروح، مُقدماً تشخيصاً دقيقاً وضرورياً. الآن، يقع على عاتق القارئ والمفكر المعاصر أن يستكمل هذا الطريق. إن الخلاص الروحي الذي قوامه تفعيل الإنسان لإرادته الخيرة ليس هروباً من التشخيص المورافي، بل هو الخطوة المنطقية التالية.
إن الإضافة التي تقدمها هذه المقالة هي الانتقال من “لماذا نحن بائسون؟” (سؤال مورافيا الضمني) إلى “كيف نغلب البؤس؟”. تكمن الإجابة في تحويل الإدراك القاسي للضعف البشري إلى قوة دافعة للعمل، حيث لا يقتصر دور الأدب على التعرية، بل يمتد ليصبح نقطة انطلاق نحو إعادة بناء الروح المنهارة في وجه تحديات الوجود.

أضف تعليق