الرضا كإجابة على لغز الوعي البشري

يمثّل مفهوم الرضا أحد أعمق المفاهيم التي تلامس لبَّ الوجود الإنساني، بما هو كائنٌ متقلّب بين مطالب الجسد ونداءات الروح. فالرضا في المنظور القرآني ليس حالةً شعورية طارئة، بل مقامًا وجوديًا لا يُنال إلا بمجاهدةٍ للنفس وتحرّرٍ من أسر النزعة البشرية نحو التملّك والشكوى.
ومن أبلغ التعبيرات القرآنية التي تجسّد هذا البعد قولُ النبيّ زكريا عليه السلام في دعائه:
“فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا” (مريم: 5–6).
هذا الدعاء القرآني يفتح بابًا لتأمّلٍ عميقٍ في معنى الرضا كغايةٍ تربويةٍ وامتحانٍ للوعي البشري، إذ لا يسأل زكريا ربَّه ولياً قويّاً أو فطناً، بل يسأله أن يكون “رَضِيًّا”، أي في حالة انسجام مع قَدَره، متصالحٍ مع نصيبه من الوجود.
خُلق الإنسان على طبيعةٍ مهيّأة للاضطراب، تتنازعه الرغبة والرهبة، والعجز عن الثبات. وقد وصفه القرآن بهذه الطبيعة حين قال:
“إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا” (المعارج: 19–21).
هذه الآيات تُبرز الطبيعة الجزوعية المتقلّبة التي هي المقابل الوجودي للرضا. فالإنسان بطبعه كائنٌ متطلّب، يرى في كل تأخّرٍ في إشباع حاجاته ظلمًا له، حتى ليكاد يعتبر الحياةَ مدينةً له بحقوقٍ واجبة السداد. هذه الأنانية الفطرية ليست شرًا محضًا، بل هي المادة الخام التي من خلالها يتمّ امتحان إرادة الإنسان وقدرته على تجاوز ذاته.
إنّ النزق الذي يُميّز الإنسان عن الحيوان لا يمكن رده إلى أصلٍ بيولوجيٍّ أو تطوّريٍّ بسيط؛ فالحيوان، كما تلاحظ الدراسات السلوكية، يعيش متوافقًا مع بيئته وقدره دون شكوى أو تذمّر، بينما يظلّ الإنسان كائنًا “غيرَ راضٍ” بطبيعته — وهذه سمة لا تفسير لها في علم الأحياء بل في علم الروح.
إنّ الرضا في القرآن ليس هبةً بيولوجية، بل ثمرة مجاهدة داخلية تقتضي تجاوز “الطبيعة الخلقية” التي ابتُلي بها الإنسان.
فالابتلاء بالنفس هو، في جوهره، ابتلاءٌ بالحرية: هل يرضى الإنسان بما ليس له أن يغيّره، أم يظلّ في حربٍ مع قدره؟
الرضا إذًا هو الموقف الوجودي الذي يتحقّق حين يتصالح الإنسان مع كينونته بوصفه مخلوقًا لا خالقًا. ومن هنا جاء طلب زكريا “واجعله ربّ رضيا” باعتباره طلبًا لاصطفاءٍ روحيٍّ يُنقذ المخلوق من دائرة النزاع الداخلي بين إرادة التملّك وإرادة التسليم.
تُقابِلُ الفلسفةُ الوجودية هذا المفهوم القرآني بمصطلحاتٍ أخرى أبرزها “القلق الوجودي” (existential anxiety). فقد رأى سورين كيركغارد أن الإنسان يعيش مأزقًا دائمًا بين الوعي بالحرية والخوف من مسؤوليتها، فيما جعل نيتشه من “التمرد على القدر” (amor fati) علامةَ القوة الخلّاقة.
أما القرآن فيتجاوز هذه الثنائية جذريًا: فهو لا يدعو إلى استسلامٍ سلبيٍّ للقدر، ولا إلى تمرّدٍ عبثيٍّ عليه، بل إلى تسليمٍ فاعل يُحوّل الوعي بالحدود إلى طاقةٍ روحيةٍ تُنتج الرضا.
وهنا يظهر الفرق الجوهري بين الرؤية القرآنية والرؤية الوجودية: فالأولى ترى الرضا غايةَ التحرّر من السخط، والثانية ترى السخطَ نفسه علامةَ الحياة.
إنّ النبي زكريا حين سأل ربَّه وليًّا “رضيًّا”، كان يدرك أن أخطر ما يبتلى به الإنسان ليس الفقر أو العقم أو الضعف، بل السخط على ما لا يملك تغييره.
لقد خبر زكريا طبائع البشر، ورأى أن أكثر ما يدمّر الإنسان هو فقدان السلام الداخلي. لذلك كانت صفة الرضا عنده أسمى من كلّ صفات الكمال الأخرى؛ لأنها الدليل على توازنٍ بين الإيمان بالقضاء والحرص على العمل ضمن حدوده.
وبهذا يصبح “الرضا” معيار النضج الوجودي للإنسان — أي اللحظة التي يعي فيها أنّ السعي لا يناقض التسليم، وأنّ الإرادة لا تعني العصيان.
الرضا ليس حالة سكون، بل مقامٌ ديناميّ يتحقق عبر ثلاث مراحل:
الوعي بالنقص: إدراك أنّ الجزع والهلع جزء من الطبيعة الخَلقية.
مجاهدة النفس: تفكيك آليات الشكوى والأنانية عبر الإيمان بأنّ القدر ليس ظلماً بل اختباراً.
التحوّل الوجداني: بلوغ السلام الداخلي الذي يجعل الإنسان يعيش في توافقٍ مع الله والكون.
في هذه المرحلة الأخيرة يتحقّق معنى “واجعله ربّ رضيا”: أي اجعل رضاه بقدرك جزءًا من ذاته، لا يختلّ مع العسر ولا يضطرب مع اليسر.

الرضا، في ضوء هذه القراءة، هو ذروة النضج الوجودي للإنسان الذي وُهب الوعي ثم ابتُلي به.
فكلّما ازداد وعيُه ازدادت حاجته إلى التسليم، وكلّما اقترب من فهم قدره، اقترب من الله.
وهكذا، فإن دعاء زكريا لا يُقرأ بوصفه طلبًا لوليٍ صالحٍ فحسب، بل بوصفه بيانًا لجوهر الإنسان المخلَّص من سخطه الوجودي.
الرضا إذًا ليس هدوءًا، بل انتصارًا على العاصفة الداخلية التي تولد مع الوعي نفسه.

أضف تعليق