في معنى “فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا” في الآيةِ الكريمة 5 من سورةِ مريم

ما الذي جعل النبيَّ زكريا يسألُ اللهَ تعالى أن يهبَ له من لدنه “ولياً” (معيناً ومساعداً) يتولى أمورَ بَني إسرائيل من بعدِه، موعظةً وإرشاداً وحلاً لكلِّ ما أشكلَ عليهم تبيُّنُه مما تشتمل عليه التوراة، وذلك بعد انقضاءِ عقودٍ من الزمان اقتصرت مسألتُه لله فيها على أن يهبَه “ولداً” صالحاً يخلفُه في قومِه؟ فلماذا كان هذا التحول في سؤالِ النبي زكريا اللهَ تعالى من “رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ” (من 89 الأنبياء)، و”رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ” (من 38 آل عمران)، إلى “فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا” (من 5 مريم)؟
تقتضي الإجابةُ على هذين السؤالَين أن نستذكرَ ونتدبرَ الحقيقةَ القرآنيةَ التي مفادها أنَّ النبي زكريا لم يصل به الأمرُ إلى سؤالِ اللهِ تعالى أن يهبَ له ولياً خليفةً إلا من بعد أن ظنَّ أنَّ اللهَ تعالى لو كان يريد أن يهبَ له ولداً لفعل، أما وقد انقضت عقودٌ ولم يحقق له مسألتَه، الأمرُ الذي حدا به لأن يستيئس من أن يكونَ له ولد. ولكن رحمةَ اللهِ تعالى أبت إلا أن تتجلى في الوقتِ الذي اختارته مشيئةُ الله، فكان أن بشَّرته الملائكة بالولد الذي طال انتظارُه له: (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) (39 آل عِمران).
يبينُ لنا تدبرُ هذه المعجزة أنَّ الأمرَ ليس لنا حتى نقررَ متى يكون الوقت الذي يستجيبُ اللهُ فيه مسألتَنا، فالأمرُ كلُّه لله وهو أدرى وأعلم متى يحقق لنا مرادَنا ويستجيب دعاءنا. فالإنسان خُلِقَ عجولاً، وهو لذلك يرى أنَّ الوقتَ الأنسب ليحققَ اللهُ تعالى له مسألتَه هو الآن وليس غداً. فمتى ندرك أنَّ أمورَ هذا العالَم تجري وفقاً لما تقضي به ساعةُ الله وليس وفقاً لما ترتأيه ساعاتُنا؟

أضف تعليق