
ليست الهندسة المعمارية، في لحظات التحوّل التاريخي، فعلًا محايدًا.
فقد علمنا التاريخ أن القرارات العمرانية الكبرى — خصوصًا تلك التي تمسّ رموز الدولة ومراكز القرار السياسي — لا تنفصل أبدًا عن روح العصر التي تنتجها، بل تكون في كثير من الأحيان مرآة ناطقة للتحولات التي تُضمرها السياسة أو تتوجسها القدرية.
ومن هنا تأتي أهمية الخبر الذي أثار جدلاً واسعًا في أكتوبر 2025:
إقدام الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على هدم الجناح الشرقي للبيت الأبيض لإقامة قاعة رقص كبرى تتسع لمئات المدعوين.
هل هو مشروع ترفيهي محض؟ أم أن الفعل يرمز إلى إعادة تشكيل للرمز الأمريكي نفسه؟
وهل يمكن أن يحمل هذا القرار، في عمقه الباطن، دلالة قدرية تمهّد لما سيأتي من تحولات في موقع الولايات المتحدة من الشرق والغرب على حد سواء؟
من الناحية التاريخية، لم يكن الجناح الشرقي مجرد امتدادٍ معماريٍّ للبيت الأبيض، بل كان يمثل الوجه الاجتماعي والناعم للرئاسة:
مكتب السيدة الأولى، قاعات الاستقبال، حفلات الشرف، والمناسبات الوطنية غير السياسية.
كان هذا الجناح بمثابة “الظل الأنثوي” للسلطة الأمريكية، حيث تتجلّى من خلاله قيم الضيافة، والاتزان، والدبلوماسية الثقافية.
ولذلك فإن قرار ترمب بهدم هذا الجناح لا يمكن أن يُقرأ كإجراء إنشائي بحت، بل كفعل رمزيٍّ يعبّر عن تبدّل في فلسفة التمثيل:
من دبلوماسية النعومة إلى سياسة العرض والاستعراض،
ومن الفعل الاجتماعي إلى الفعل الاحتفالي،
ومن “الجناح الشرقي” إلى “القاعة الكبرى”.
في الفلسفة السياسية الحديثة، يُنظر إلى المعمار الرسمي للدولة بوصفه لغةً بصرية للسلطة.
القصور، القباب، الأبراج، الجدران الزجاجية — جميعها ليست حجارةً صامتة، بل بيانات سياسية ناطقة.
ومن هذا المنظور، فإن هدم “الجناح الشرقي” هو بمثابة محو لسطرٍ رمزي من خطاب الدولة الأمريكية واستبداله بسطر جديد.
القاعة الجديدة التي يخطط ترمب لبنائها — قاعة رقص ضخمة تستوعب مئات الشخصيات — ليست مجرد فضاء للترفيه، بل مسرح رمزيّ للهيمنة:
مكانٌ للتجمّع والاحتفال، لا للتشاور والتدبير؛
فضاءٌ للعرض الجماهيري، لا للقرارات الهادئة.
إنها، في جوهرها، إعلانٌ عن تحوّل البيت الأبيض من بيت الحكم إلى بيت المشهد،
ومن “بيت الشعب” إلى مسرح القيادة.
كثيرًا ما كانت الأفعال الصغيرة في التاريخ مقدّمات لأحداث كبرى لم تُدرك إلا بعد أن وقعت.
حين أمر نيرون بتوسيع قصره في روما، لم يكن يدرك أنه يُمهّد لانفجار نقمة شعبية ستُنهي حكمه.
وحين غيّر لويس السادس عشر ترتيب أروقة قصر فرساي، كان ذلك تمهيدًا غير مباشر لثورة ستطيح بالملكية بأكملها.
فهل يمكن أن يُقرأ فعل ترمب في السياق نفسه؟
الهدم — كما في التحليل الرمزي — ليس نهاية، بل إشارة إلى ميلاد جديد.
لكن ميلاد ماذا؟
ربما ميلاد “أمريكا جديدة” تنكفئ على ذاتها،
أو ربما ميلاد “غرب متجدّد” يقطع صلاته الرمزية بالشرق.
فالجناح الشرقي، في رمزية الاتجاهات، هو “وجه الشمس المشرقة”، أي الشرق،
وهدمه قد يُقرأ كإشارة قدرية إلى تراجع أو انقطاع رمزي للعلاقة مع الشرق العالمي — روسيا، الصين، والعالم الآسيوي عامة.
يمكننا أن نقرأ هذه الخطوة في ضوء احتمالين متعاكسين:
قد يكون الهدم، رمزياً، إشارة إلى إعادة تعريف الحلف الأطلسي نفسه.
فكما أن الجناح الشرقي للبيت الأبيض يُهدم، قد يشهد “الجناح الشرقي للناتو”، الممتد من بولندا إلى البحر الأسود، إعادة صياغة أو تخلٍّ تدريجي.
فترمب كان، ولا يزال، يشكّك في جدوى الناتو، ويعتبره “عبئًا ماليًا على أمريكا”.
الهدم هنا يصبح استعارة معمارية لفكّ ارتباطٍ استراتيجيٍّ مع شرق أوروبا، أي مع الطرف الشرقي للحلف الغربي ذاته.
وفي المقابل، قد يكون الفعل نقيضًا لما سبق:
تحرّكاً نحو ترسيخ الهوية الغربية الخالصة لأمريكا.
فحين يُزال الجناح الشرقي، يصبح البيت الأبيض، بالمعنى الرمزي، موجهاً بكامله نحو الغرب.
أي إن ترمب يعلن، من خلال الهدم، أن أمريكا ليست “جسرًا بين الشرق والغرب”، بل هي الغرب نفسه.
وبذلك يكون قد أنهى أي طموح أمريكي بلعب دور الوسيط بين العالمين، مؤكدًا اصطفافه المطلق مع “الغرب الجماعي” في مواجهة الشرق.
قد يعترض البعض بأن هذه القراءة “ميتافيزيقية” أكثر مما ينبغي،
لكن التاريخ يُعلّمنا أن العبث أحيانًا هو قناع القدر.
فقرارات الملوك والساسة التي بدت آنذاك نزواتٍ شخصيةً أو مشروعات ترف،
تحوّلت لاحقًا إلى منعطفاتٍ حضارية أعادت صياغة مسار العالم.
هكذا كان “قصر الشتاء” في روسيا قبل الثورة البلشفية،
وهكذا كانت “بوابة براندنبورغ” قبل سقوط جدار برلين.
وهكذا قد يكون الجناح الشرقي للبيت الأبيض قبل هدمه:
رمزًا لمرحلة انتهت دون أن ننتبه إلى أنّ زوالها كان نبوءة عن عالم جديد.
ليس في نية هذه المقالة أن تؤوِّل الفعل السياسي الأمريكي على أنه “وحي قدري”،
بل أن تدعو إلى التأمل في رمزية المكان والتاريخ بوصفهما مرآتين متقابلتين.
فحين يهدم رئيس أمريكي جناحًا اسمه “الشرقي”،
ويستبدله بقاعة للرقص والاحتفال،
فإننا أمام تحوّل في بنية المعنى لا في الجدران وحدها.
ربما لا نرى الآن سوى آلات الهدم،
لكنّ الأقدار قد تكون تُعدّ المسرح لرقصةٍ كبرى، رقصةٍ بين الشرق والغرب،
يُفتتح فصلها الأول في قلب واشنطن،
على أنغام قاعةٍ جديدةٍ تُبنى فوق ركام الجناح الشرقي.
