قراءة تحليلية في دعاء النبي زكريا عليه السلام بين سور الأنبياء وآل عمران ومريم

يُعدّ دعاء النبي زكريا عليه السلام نموذجًا قرآنيًا فريدًا للتحول الوجودي في مسار الوعي النبوي، إذ يعكس انتقالًا من الرغبة الطبيعية في الذرية إلى الرغبة الروحية في الولاية. فبين قوله:
“رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ” (الأنبياء: 89)،
وقوله:
“رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً” (آل عمران: 38)،
ثم قوله:
“فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا” (مريم: 5)،
يتجلى مسارٌ من التدرّج في المقاصد والدلالات، من الامتداد الجسدي إلى الامتداد الرسالي، ومن طلب الوجود إلى طلب المعنى.
الوليّ في أصل اللغة هو القائم بالأمر، المقرّب، النصير، الملازم. وجاء في لسان العرب أن “الولي” هو من يلي الشيء أي يقاربه ويتولاه تدبيرًا ورعاية. وفي السياق القرآني، يتجاوز معنى الوليّ الإطار البشري إلى معنى الولاية الإلهية، أي من يتولى أمر الله في الأرض ويكون امتدادًا لهدي الوحي.
إذن، طلب زكريا “وليًّا” يعني طلب من يحمل مشعل الرسالة، ويواصل هداية بني إسرائيل، لا مجرد ابنٍ بيولوجي.
الفرق بين العبارتين دقيق لكنه عميق:
“من عندك” تفيد العطاء العام الصادر عن المشيئة الإلهية ضمن نطاق الأسباب الكونية.
“من لدنك” تفيد العطاء الخاص المباشر الخارج عن المألوف السببي، أي عطاء لدنيّ استثنائي لا تحكمه قوانين الطبيعة.
فكأن زكريا قال: “هب لي من خزائن غيبك عطاءً لا يُنال بالأسباب”، إدراكًا منه أن سنّه وعقم امرأته يقطعان بالأسباب، فلا يبقى إلا فيض القدرة.
يُقدَّم زكريا في صورة العبد الخاشع الذي يخاف الانقطاع الوجودي فيقول:
“رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا”
أي لا تتركني وحيدًا بلا استمرار، وكان طلبه حينئذ إنسانيًا فطريًا نابعًا من خوف الوحدة وانقطاع الأثر.
يظهر الطلب في صيغة أرقى:
“رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً”
وهنا يُقيد الطلب بصفة الطيب، أي أنه لم يعد يسأل الولد لذاته، بل للخير الذي يُرجى فيه. إنها نقلة من الأنانية إلى الرسالية.
يبلغ الدعاء قمته الروحية:
“فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا”
هنا لا يذكر الولد، بل الوليّ؛ لا يطلب الامتداد الدموي، بل الامتداد القيمي.
لقد أدرك زكريا أن القضية ليست في “الولد”، بل في “من يقوم بالأمانة بعده”، فارتقى طلبه من الذرية الوراثية إلى الولاية النبوية.
النص يكشف عن نضج في التجربة الإيمانية. فزكريا الذي دعا دهورًا بلسان الحاجة، صار يدعو الآن بلسان الفناء في إرادة الله. إذ لم يعد غايته أن يُستجاب له الآن، بل أن يُستجاب له بما يوافق حكمة التوقيت الإلهي.
وهذا ما توضحه بشارة الملائكة له بعد استيئاسه:
“فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ” (آل عمران: 39)
فكانت البشارة لحظة توافقٍ بين اكتمال الصبر الإنساني وتجلي الرحمة الإلهية.
من خلال هذا التحول في الدعاء، يعيد القرآن تعريف معنى الوراثة والولاية معًا:
فالوراثة الحقيقية ليست في الجسد، بل في المعرفة والنبوة.
والولاية ليست سلطةً زمنية، بل استمرارٌ للروح الإلهية في التاريخ.
إن طلب “الوليّ” بهذا المعنى هو طلب لدوام النور لا لدوام النسل، واعتراف ضمني بأن الإنسان لا يملك من أمر الزمن إلا الانتظار، وأن أوقات الله غير أوقات البشر.
لقد بلغ زكريا عليه السلام في دعائه قمة النضج الروحي حين أدرك أن الزمن الإلهي ليس زمن الرغبة، وأن الاستجابة لا تُقاس بعُمر الانتظار بل بتمام الحكمة.
فدعاؤه الأخير في سورة مريم ليس تغييرًا في الطلب، بل تسليمٌ في العمق: إذ لم يعد يريد من الله أن يحقق إرادته، بل أن يجعل إرادته عين ما أراد الله.
وهكذا يتحول الدعاء من طلب إلى شهودٍ، ومن رغبة إلى ولاية، ومن انتظارٍ للولد إلى وعيٍ بالقدر.

أضف تعليق