نحو قراءة فلسفية في أنثروبولوجيا الشعور الإنساني بالتفوق

شاع في الأوساط غير المتخصصة في علم النفس مصطلح “عقدة الإله” (God Complex) لوصف طائفة من الناس يتصف أحدهم بإحساسٍ مفرطٍ بالتفوّق يجعلُه يتوهّم أنّه قادرٌ على فعل كلِّ شيء، وأنّ بوسعه الإجابة على كلِّ سؤال، وأنّ من حقّه أن يُعامَل معاملةً استثنائية تتسق مع هذا الإحساس. غير أنّ هذا المفهوم، على الرغم من شيوعه، ظلَّ محصورًا في نطاق التشخيص السايكولوجي، وكأنّه اضطراب فرديّ استثنائيّ. والحال أنّ ما يغفل عنه كثير من علماء النفس أنّ هذه “العقدة” ليست استثناءً بل ظاهرةٌ بنيوية في النفس الإنسانية، تتجلى بأشكالٍ متفاوتة في ميادين الحياة كافة، من السلطة إلى العِلم، ومن الدين إلى الفلسفة.
لا تُعبّر “عقدة الإله” عن خللٍ نفسيٍّ طارئ بقدر ما تُفصح عن نزعةٍ أصيلةٍ في الكائن الإنساني نحو تجاوز حدوده الطبيعية ورفض محدوديته. فالإنسان، منذ لحظة وعيه بذاته، وجد نفسه كائنًا بين ضعفٍ مُدركٍ وقدرةٍ متخيَّلة، بين ما يملكه فعلاً وما يتوق إلى امتلاكه. هذه المفارقة هي التي دفعته إلى اختراع الرموز، وإلى بناء حضارةٍ هدفها الأقصى هو محاكاة فعل الخلق ذاته — سواء في العلم أو الفن أو السياسة أو الدين. ومن هنا يمكن القول إن توهّم الإنسان أنه إلهٌ ليس خطأً عرضيًا في بنائه النفسي، بل هو تعبيرٌ عن مأزقه الوجودي العميق: رغبته في السيطرة الكاملة على ما لا يُسيطر عليه.
يتجلّى هذا الوهم بأوضح صوره في المجال السياسي؛ فكم من حاكمٍ أو زعيمٍ ظنّ أنه قدرُ شعبه، وأن التاريخ قد اختاره ليعيد صياغة الوجود. من ستالين الذي تصرف كما لو كان خالقاً لجنسٍ بشريٍّ جديد خالٍ من العيوب الطبقية، إلى هتلر الذي رأى في نفسه المهندس الأعلى لترتيب الخليقة، إلى زعماء معاصرين يتعاملون مع شعوبهم كقطعٍ في لوحةٍ إلهيةٍ مرسومةٍ بعقولهم وحدهم. هؤلاء جميعًا لا ينظرون إلى السلطة كأمانة، بل كـ حقٍّ ميتافيزيقيٍّ مكتسب، وكأنّهم تجاوزوا حدود الإنسان إلى مصافّ الآلهة.
إنهم لا يمارسون الحكم فحسب، بل يمارسون «الخلق السياسي»، فيسعون لإعادة تشكيل البشر على صورتهم. ومتى أصبح الإنسان هو المعيار والغاية معًا، تحوّل الحكم إلى عبادةٍ للذات.
ولم تقتصر هذه العقدة على السياسيين، بل وجدت موطئًا راسخًا لها في أوساط العلماء والمفكرين الذين أغراهم النجاح التقني بتوهّم القدرة المطلقة. فالعالِم الذي يعبث بالجينات أو يخطط لصناعة وعيٍ اصطناعيٍّ كامل لا يفعل ذلك من دافع المعرفة وحدها، بل من نزعةٍ دفينةٍ إلى محاكاة فعل الخلق الإلهي.
حين نقرأ عن مشاريع “الهندسة الجينية” التي تزعم تحسين الإنسان أو استنساخ الوعي، أو عن مراكز الأبحاث التي تتحدث عن “الخلود الرقمي”، نجد أنفسنا أمام علمٍ يتحوّل تدريجيًا إلى لاهوتٍ جديد، تحكمه عقلية تقول: “نحن من يقرّر ماهية الحياة والموت”. إنها عقدة الإله وقد ارتدت معطف المختبر.
وكما قال أحد فلاسفة العلم المعاصرين، “لم يعد الإنسان يكتفي بتفسير الطبيعة، بل يريد أن يكونها”. هذا التحوّل هو ذروة توهّمه الإلهي.
إنّ الفكر الفلسفي الحديث منذ عصر النهضة قد مهّد الطريق لهذه النزعة حين رفع شعار: الإنسان مقياس كلّ شيء. فالفكر الإنساني لم يتحرّر من فكرة الإله، بل نقلها من السماء إلى الأرض، من اللاهوت إلى الإنسان ذاته. وبهذا التحوّل الأنثروبومورفي الهائل، أصبح الإنسان إلهًا منزوعَ الألوهية؛ يريد الخلق من دون الخالق، ويطلب السيطرة من دون حكمةٍ كونيةٍ تضبطها.
من هنا، فإنّ “عقدة الإله” ليست مرضًا نفسياً، بل هي أزمة حضارية تولّدت من فشل الإنسان في التوفيق بين قدرته التقنية وحدوده الوجودية.
هذا الوعي بكون الظاهرة متأصلة في الطبيعة البشرية يفرض على علم النفس التطوري مراجعةً جذريةً لمسلّماته. إذ لا يمكن فهم “عقدة الإله” ضمن نموذجٍ يختزل السلوك الإنساني في دوافع البقاء والتكاثر، لأنّ هذه العقدة تعبّر عن نزعة ما وراء بيولوجية: نزعة الكائن الذي لا يرضى أن يكون مجرد نتاجٍ للتطور، بل يسعى إلى تجاوزه.
إنّ إعادة كتابة علم النفس التطوري وفق هذا المنظور تتطلّب أن نفتح باب التفسير أمام مقارباتٍ جديدةٍ تتعامل مع الإنسان ككائنٍ يسعى دائمًا إلى «تجاوز إنسانيته»، لا إلى تثبيتها.
توهّم الإنسان ذاته إلهاً ليس انحرافًا عن الفطرة، بل هو تجسيدٌ متطرّفٌ لجوهرها؛ فالرغبة في السيطرة والخلود والمعرفة المطلقة هي ما يجعل الإنسان إنسانًا. لكنّ المأساة تبدأ حين ينسى أن هذه الرغبة ليست دعوةً لأن يكون خالقًا، بل لأن يكون مخلوقًا مسؤولًا.
إنّ كلَّ محاولةٍ للارتقاء فوق حدود الوجود الإنساني دون وعيٍ بهذه الحدود لا تقود إلى الألوهية، بل إلى نقيضها: الهاوية.
وما بين ضعف الإنسان وتألّهِه المُتوهَم لذاته تمتدُّ حكايةُ الكائن الذي أراد أن يكون إلهاً، فانتهى أسيرًا لصورةٍ صنعها بنفسه.

أضف تعليق