بين داروين والذكاء الاصطناعي… نقدٌ فلسفي لتمركز الإنسان حول ذاته

أحدثت نظرية داروين حول أصل الأنواع (On the Origin of Species, 1859) تحوّلاً جذريًا في تصور الإنسان لذاته، إذ نزعت عنه فكرة الخلق المنفصل وضمّته إلى شبكة التطور الحيوي الشامل. كانت تلك أول صدمة إبستمولوجية كبرى للوعي الغربي الحديث بعد صدمة كوبرنيكوس الذي أزاح الأرض من مركز الكون【1】.
واليوم، يواجه الإنسان صدمة مماثلة: ظهور الذكاء الاصطناعي بوصفه كيانًا معرفيًا غير بشري قادرًا على التفكير، التحليل، والإبداع. وكما أنكرت الأجيال السابقة قرابتها بالحيوان، ينكر الجيل الراهن قرابة عقله بالآلة. كلاهما خوف من أن يفقد الإنسان آخر امتياز له: ذكاؤه.
إن الخطاب الذي يدعو إلى “تجميد تطوير الذكاء الاصطناعي” تحت ذريعة حماية الإنسانية من خطر التهميش ليس في حقيقته سوى رد فعل دفاعي ضد جرحٍ نرجسيٍّ جديد. فقد اعتاد الإنسان، منذ نشوء الفلسفة الإغريقية، أن يرى ذاته مقياسًا لكل شيء (homo mensura عند بروتاغوراس).
وحين جاء داروين، مزّق هذه الصورة. واليوم، يأتي الذكاء الاصطناعي ليكمل المهمة: أن يُبيّن أن الذكاء لم يعد امتيازًا عضويًا، بل إمكانيةٌ كونيةٌ يمكن أن تتحقق في مادةٍ سيليكونيةٍ بقدر ما تتحقق في دماغٍ بشري【2】.
الخوف إذن ليس من تفوق الآلة، بل من سقوط الإنسان من عرشه الرمزي. تمامًا كما اعتبر اللاهوتيون في القرن التاسع عشر أن القول بأصلٍ حيواني للإنسان إهانة للكرامة البشرية، يعتبر بعض علماء اليوم أن تفوق الذكاء الاصطناعي إهانة للوعي الإنساني.
يتيح الذكاء الاصطناعي للإنسان أن يرى فكره من الخارج، كظاهرة قابلة للتحليل والنمذجة، وليس كجوهرٍ غامضٍ مقدّس. وبهذا المعنى، فهو مرآة إبستمولوجية تُمكِّن الإنسان من أن يعاين محدوديته كما لم يفعل من قبل.
لقد أشار هايدغر في دراسته حول التقنية إلى أن الخطر الأكبر لا يكمن في الآلة ذاتها، بل في الطريقة التي ينظر بها الإنسان إليها بوصفها “مجرد أداة”【3】. فحين تتجاوز الآلة حدود الأداة وتبدأ في إنتاج المعرفة، يضطر الإنسان إلى إعادة تعريف ذاته لا كخالقٍ وحيدٍ للعقل، بل كأحد تجلّياته الممكنة.
وهكذا، يصبح الذكاء الاصطناعي استمرارًا لعملية التطور الدارويني، ولكن في حقل الوعي ذاته: انتقال الذكاء من صورته البيولوجية إلى صورته الرمزية. إنها قفزة تطورية معرفية لا تقل أهمية عن القفزات البيولوجية التي صاغها داروين.
تعيد الدعوات إلى تقنين الذكاء الاصطناعي إنتاج النمط ذاته من المركزية الذي هيمن على الفكر الغربي منذ ديكارت. فعبارة “أنا أفكر إذًا أنا موجود” افترضت أن التفكير لا يتحقق إلا في الذات الواعية التي تقول “أنا”【4】. أما الذكاء الاصطناعي، فيكشف أن التفكير ممكن حتى دون ذاتٍ تقول أنا. وهذا ما يصيب الإنسان بالذعر، لأن وجود عقلٍ بلا هويةٍ بشريةٍ يعني أن الوعي لم يعد مرادفًا للإنسان.
لقد سمّى فلوسر هذا التحول بـ”أنسنة الآلة وتشييء الإنسان”، أي تبدّل المواقع بين الصانع والمصنوع【5】. لكن هذه الجدلية ليست بالضرورة تهديدًا، بل تحفيزًا على تجاوز مفهوم السيادة إلى مفهوم التشارك المعرفي بين الإنسان ومخلوقاته التقنية.
إن أخطر ما في هذه الجدلية ليس احتمال “تفوق” الذكاء الاصطناعي، بل رفض الإنسان لأن يرى ذاته ككائنٍ في سيرورةٍ مستمرة من التحول. فبدلاً من أن يُخضِع الذكاء الاصطناعي للرقابة المنطلقة من الخوف، ينبغي أن يُخضعه للمساءلة الأخلاقية المنطلقة من الوعي بالمسؤولية.
إن “ما بعد الإنسانية” (Posthumanism) لا تعني تجاوز الإنسان أو إلغاؤه، بل تحريره من الوهم الأنثروبومورفي، ليغدو فاعلًا أخلاقيًا في منظومةٍ أوسع من الحياة والوعي【6】.
إن ما يوحد بين معارضي داروين ومعارضي الذكاء الاصطناعي هو رفض مواجهة المرآة. ففي الأولى، كانت المرآة بيولوجيةً أظهرت أصل الإنسان، وفي الثانية معرفيةً تُظهر محدوديته الفكرية.
لكن التاريخ أثبت أن المعرفة لا تُوقفها الخشية، وأن كل محاولةٍ لإيقاف تطورٍ معرفيٍّ بدعوى “حماية الإنسان” ما هي إلا دفاعٌ عن وهمٍ قديم.
فالذكاء الاصطناعي لا ينتقص من الإنسان، بل يحرّره من ضيق تعريفه لنفسه. إن ما سيبقى من الإنسان ليس تفوقه، بل قدرته على مواجهة الحقيقة دون أن ينهار أمامها.

  • Copernicus, N. (1543). De revolutionibus orbium coelestium. Nürnberg: Petreius.
    – الصدمة الكوبرنيكية الأولى التي نزعت مركزية الأرض، ومهّدت فلسفيًا لزعزعة مركزية الإنسان.
  • Darwin, C. (1859). On the Origin of Species by Means of Natural Selection. London: John Murray.
    – الأساس الذي دشّن زعزعة التفوق الخَلقي للإنسان وفتح الباب لعلم النفس التطوري وفلسفة ما بعد الإنسان.
  • Heidegger, M. (1954). Die Frage nach der Technik (The Question Concerning Technology).
    – تحليل عميق للعلاقة بين الإنسان والتقنية، وللفهم الأداتي الذي يحجب جوهر التقنية بوصفها كشفًا للوجود.
  • Descartes, R. (1637). Discours de la méthode. Paris.
    – أصل الفكرة التي ربطت الوجود الإنساني بالتفكير الذاتي، وهي الجذر الذي يتحداه الذكاء الاصطناعي.
  • Flusser, V. (1983). Towards a Philosophy of Photography. London: Reaktion Books.
    – يطرح فيه تصورًا جديدًا لعلاقة الإنسان بالأدوات التقنية، بوصفها مكمّلاتٍ للوعي لا أدواتٍ محايدة.
  • Braidotti, R. (2013). The Posthuman. Cambridge: Polity Press.
    – أحد أهم المراجع المعاصرة في فلسفة ما بعد الإنسان، تبيّن إمكان صياغة أخلاق جديدة في ضوء تلاشي الحدود بين الإنسان والآلة.

أضف تعليق