قداسة النص القرآني وتعدد المعنى… في نقد التسويغات الفكرية لدعاة “تحديث المقاربة التفسيرية”

تعيش الدراسات القرآنية المعاصرة حالةً من التوتر بين اتجاهين متقابلين: أحدهما تقليديٌّ يصر على المحافظة على منهج السلف في فهم النص، والآخر “تجديديّ” يرفع شعار إعادة النظر في كل المناهج التفسيرية السابقة بزعم “تحرير النص” من سلطته التاريخية.
غير أن أخطر ما في هذا الاتجاه الأخير هو ما يتذرع به من تسويغات فكرية ظاهرها التجديد، وباطنها التفريغ التدريجي للنص من معناه. ومن أبرز هذه التسويغات القول إن “القرآن يمكن أن يُقارب باعتباره نصًا مقدسًا، لكن معانيه متعددة لا نهائية”، وهو قولٌ ظاهره عمق فلسفي وباطنه تناقض معرفي.
في الفهم الإسلامي الكلاسيكي، القداسة ليست وصفًا شكليًا، بل خاصية معرفية وأخلاقية تجعل النص مصدرًا للمعنى والهداية، لا مجرد مادة للتأمل الجمالي أو اللعب التأويلي. فالقداسة تستلزم ضبط الدلالة لا إطلاقها.
وقد ميّز الطاهر ابن عاشور بين “تعدد الوجوه في اللفظ القرآني” — بوصفه ثراءً دلاليًا مضبوطًا بسياق اللغة ومقاصد التشريع — وبين “تعدد المعاني غير المنضبط”، الذي يفضي إلى الفوضى المعرفية. إذ يقول في التحرير والتنوير:
“القرآن لا يحتمل من المعاني إلا ما تحتمله العربية في أساليبها، وما لا يفسد به مقصد الخطاب ولا يناقض نصًّا آخر.”
فالتعدد المشروع في التفسير هو تعدد “التكميل والإغناء”، لا “التناقض والإلغاء”.
يرى دعاة التحديث من أمثال محمد أركون ونصر حامد أبو زيد أن النص القرآني ينبغي أن يُقرأ كأي نص إنساني، أي بوصفه منفتحًا على عدد غير محدود من التأويلات. فالنص عندهم ليس حاملاً لمعنى ثابت بل “فضاء دلالي” ينتجه القارئ في كل مرة يقرأه.
لكن هذا التحول من “التفسير” إلى “التأويل المفتوح” يفضي، من حيث المنهج، إلى نزع المرجعية الإلهية عن النص، وتحويله إلى “خطاب ثقافي” يخضع لظروف التاريخ لا يتعالى عليها. وهنا تكمن المفارقة: فالذين يعلنون تمسكهم بقداسة النص هم ذاتهم الذين يسحبون منه جوهر تلك القداسة عبر نزع صفته الإلزامية.
إنهم يريدون قرآناً بلا أحكام، ونصاً مقدساً بلا التزام، تماماً كما قال تعالى:
{وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [الفرقان: 30]
فالهجر هنا ليس في الإعراض عن التلاوة فحسب، بل في إفراغ النص من معناه واستبدال التفسير بالتخييل.
يُغري مفهوم “تعدد المعنى” كثيرين لأنه يمنح القارئ سلطة المشاركة في إنتاج الدلالة، لكن حين يُرفع الضابط اللغوي والمنهجي عن النص، يصبح كل معنى مشروعًا، حتى وإن ناقض النص نفسه.
وقد نبّه ابن تيمية إلى هذا المعنى حين قال في مقدمة أصول التفسير:
“من جعل القرآن تابعًا لذوقه أو عقله أو مذهبه، فقد اتخذ القرآن عضين.”
فالتعدد هنا يتحول إلى وسيلة لتبرير الموقف المسبق، لا لاستكشاف مقاصد الوحي.
وهذا ما نراه في بعض المقاربات المعاصرة التي تتعامل مع آيات الأحكام أو العقيدة وكأنها رموز شعرية، يمكن تأويلها بلا حدود، تحت دعوى أن “النص متعالٍ على التحديد”. لكنها بذلك تسحب من القرآن أهم خصائصه: كونه هادياً ومبيِّناً ومهيمِناً على سائر الخطابات.
يستند خطاب “اللانهاية في المعنى” إلى خلفية ما بعد حداثية تفترض أن النص لا يحمل “حقيقة” بل “تعدد احتمالات”. وهي رؤية تستمد جذورها من التفكيكية الغربية لدى جاك دريدا، التي ترى أن “المعنى مؤجّلٌ إلى ما لا نهاية” (différance).
لكن استيراد هذا النموذج إلى النص القرآني يعني القبول الضمني بأن كلام الله لا يمكن إدراك مراده، وأن كل تفسير هو مجرد احتمال بشري. وهذا في حقيقته تقويض للنبوة ذاتها، لأن وظيفة الرسول قائمة على البيان، كما في قوله تعالى:
{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]
فإذا صار البيان مستحيلاً، بطلت الغاية من الإنزال والوحي معاً.
يمكن التمييز بين نوعين من هجر القرآن في العصر الحديث:
الهجر الصامت: حيث يُترك القرآن بلا قراءة ولا عمل.
الهجر المؤدلج: حيث يُستبقى ظاهر التقديس، ويُفرَّغ المضمون بحجة الانفتاح والتأويل.
وهذا النوع أخطر، لأنه يُبقي على قشرة القداسة ليُخفي تحتها جوهر الهجر. فالقوم لا يريدون محو القرآن، بل تدجينه: كتاب لا يُعارض أحدًا لأنه لا يقول شيئًا محددًا.
ليس المقصود رفض التجديد في التفسير، بل تحصينه من الانزلاق إلى العبث التأويلي.
فالقرآن كتاب مفتوح للتدبر، لا للفوضى الدلالية؛ وثراؤه لا يعني انفلات معناه، بل عمقه الذي يُستجلى عبر العلم واللغة والسياق والمقاصد.
إن احترام قداسة النص لا يتحقق بتكرار صفة “المقدس” عليه، بل بإعمال العقل لفهمه والضمير للعمل به.
فالمقدس الذي لا يُعمل به ليس سوى مقدسٍ مهجور، والتجديد الذي ينقض المعنى ليس سوى هدمٍ باسم الحداثة.

• الطاهر ابن عاشور، التحرير والتنوير، دار سحنون، تونس.
• نصر حامد أبو زيد، مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء.
• محمد أركون، الفكر الإسلامي: نقد واجتهاد، دار الساقي، بيروت.
• ابن تيمية، مقدمة في أصول التفسير.
• جاك دريدا، De la grammatologie، باريس، 1967.

أضف تعليق