
لماذا أخفقت المقاربةُ الاختزالية reductive للظاهرةِ الإنسانية في الوقوع على حقيقةِ الإنسان؟
تكمن الإجابة على هذا السؤال في استذكارِ ما تقوم عليه هذه المقاربة من ردٍّ لكلِّ ما يكوِّن الظاهرةَ الإنسانية إلى جملةٍ من العوامل التي بالإمكانِ تبيُّنُ أيٍّ من أنساقِ العِلم يقفُ من ورائها باعتبارِه المتسبِّبَ في حدوثِها. فالإنسان، من وجهةِ النظر الاختزالية، لا يملك، ومن بعد قيامِنا بردِّ تركيباتِه التكوينية إلى النسقِ العِلمي الذي هو السبب من وراء وجودِه، أيَّ شيءٍ آخر كائناً ما يكون. ولقد نجم عن هذه المقاربةِ الاختزالية للظاهرةِ الإنسانية أن أصبحنا عاجزين عن التعليلِ لطيفٍ واسعٍ من السلوكياتِ البشرية التي لا يمكن أن تُعزى لمجملِ تلك الأنساق العلمية التي تَمكنَّا من ردِّ أركانِ هذه الظاهرة إليها. فهذه السلوكيات تُرينا أنَّ الإنسانَ أكبرُ من أن يكونَ مجموعَ مكوِّناتِه التي تَمكنَّا من تشخيصِها وردِّها إلى هذا النسَقِ أو ذاك من أنساقِ العِلم الذي قُيِّض لنا أن نكتشفَ قوانينَه ومعادلاتِه. ولذلك تعجز كلُّ مقاربةٍ لا تأخذُ بنظرِ الاعتبار هذه الحقيقة عن التعليلِ للظاهرةِ الإنسانية برمَّتِها، حتى من بعد أن تأتَّى لنا أن نفكِّكَها إلى عواملِها الأولية. وحدها المقاربةُ الگشتالتية للظاهرةِ الإنسانية بمقدورِها أن تُعينَنا على تبيُّنِ حقيقةِ الإنسان الكامنة من وراءِ سلوكياتِه. فالإنسانُ ليس منظومةً ميكانيكيةً صِرفة، ولا مجرد نظامٍ رياضي تكفلُ لنا دراسةُ معادلاتِه ما يُعينُنا على فهمِ سلوكياتِه.
إنَّ المقاربةَ الگشتالتية للظاهرةِ الإنسانية تتفق بالتمامِ والكلية مع الوصفِ القرآني للإنسان باعتبارِه كياناً يمتلك إرادةً حرة، وذلك طالما كانت هذه المقاربة تقوم على أساسٍ من اعتبار الشيء أكبر من وصفِه، والنظام أكبر من مجموعِ أجزائه، وبالمعنى الذي يكون المربع بمقتضاه ليس مجرد أضلاعِه الأربعه. فالإنسانُ إن هو قامَ بتفعيلِ إرادتِه الحرة الخيِّرة مكَّنته من الارتقاء إلى حالةٍ وجودية تعجز المقاربةُ الاختزالية عن التعليلِ لها. فإرادةُ الإنسان المفعَّلة تستعصي على كلِّ مقاربةٍ اختزالية تروم فكَّ إلغازِها. فإرادةُ الإنسان الحرةِ المفعلة تسمو فوق هذا الاختزال، الذي يتوهم أصحابُه أن قوامَه العِلم المتجرد عن كلِّ إيديولوجيا وميتافيزيقا، وبما يجعل بمقدورِ الإنسان أن يكونَ أكبرَ من مكوِّناتِه وبالتالي مستعصياً على كلِّ مقاربةٍ اختزالية. فالقرآنُ يقدمُ لنا تصوراً للإنسان الحر ذي الإرادةِ المفعلة هو غير ذاك الذي جعل المقاربةَ الاختزالية له عاجزةً عن فهمِ سلوكياتِه. وهذا هو عين ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ الخَيارِ الآخر الذي يلجأ إليه الكثيرون بتخلِّيهم عن تفعيلِ إرادةِ الخير، ليفعِّلوا بالمقابل إرادةَ الشر، وبما يجعل المقاربةَ الاختزالية لسلوكياتِهم تخفق، مرة أخرى، في التعليلِ لها وفقاً لما تقضي به هذه المقاربة.
