تواضع العارفين… حين تكون الحكمة في الإقرار بما نجهل

في خضمّ الثورة المعرفية التي نعيشها، تتملك البعضَ سطوةٌ ظاهرية للعلم والمعرفة، فيسارعون إلى إصدار الأحكام القاطعة بنفي أي ظاهرة أو قوة لا تقع تحت مظلة قوانينهم الحالية. هنا تكمن المفارقة: فالعلم الحقيقي، في جوهره، ليس احتفالاً بما نعرف، بل هو إقرار متجدد بضخامة ما نجهله.
إن العبارة المنسوبة إلى ألبرت أينشتاين: “من المحتمل تمامًا أن وراء إدراك حواسنا، عوالم جديدة مخبأة لا نعي بها على الإطلاق”، ليست مجرد قولٍ شاعري، بل هي بيان فلسفي وعلمي عميق يضع حدوداً للتجربة البشرية ويفتح الأفق أمام اللامحدود.
1. التجلي الأدبي والفلسفي: صوت شكسبير الأبدي
هذه الفكرة ليست وليدة العصر الحديث، بل هي تيمة قديمة في الفلسفة والأدب. ويكفي أن نستدعي روح المسرحي العظيم ويليام شكسبير، الذي وضع على لسان شخصية هاملت (في مسرحية هاملت) خطاباً خالداً لصديقه هوراشيو، يحمل جوهر هذه الرسالة:
“ثمة أمور في السماء والأرض يا هوراشيو:
لم تحلم بها فلسفتك قط.”
هذه الجملة، التي تخاطب الفلسفة والمنطق البشري المحدود، هي صفعة أدبية في وجه الغرور المعرفي. إنها تذكير بأن المنظومة الفكرية التي نعتمد عليها، مهما بدت متماسكة، تظلّ قاصرة عن الإحاطة بكل القوى والكائنات التي تشكّل نسيج الوجود. عندما نتحدث عن “عوالم مخبأة”، قد لا نعني بالضرورة أكواناً موازية، بل قد نشير إلى قوى فيزيائية، أو كائنات بيولوجية، أو حتى أبعاد للطاقة والوعي، تقع خارج نطاق أدواتنا الحالية للقياس والرصد.
2. الدرس التاريخي في الفيزياء: مأزق اليقين الخادع
إن أخطر ما يهدد التقدم العلمي هو الركون إلى فكرة أننا “أحطنا بكل شيء”. ولعل أكبر شاهد على ذلك هو مسيرة علم الفيزياء نفسه.
في أواخر القرن التاسع عشر، سادت قناعة واسعة النطاق بين العديد من الفيزيائيين بأن قوانين نيوتن والكهرومغناطيسية قد فسّرت جميع الظواهر الطبيعية الأساسية. وفي خضم هذا “اليقين الكلاسيكي”، نصح أستاذ ماكس بلانك (الأب الروحي لميكانيكا الكم)، الشاب الطموح بأن يختار تخصصاً آخر، لأن الفيزياء “قد فسّرت كل شيء” ولم يبقَ سوى بعض “الرطوش”.
لو استجاب بلانك لهذه النصيحة، لما شهد القرن العشرون ثورة ميكانيكا الكم، ولما ظهرت نظرية النسبية. إن إصرار بلانك على الخوض في تفاصيل الإشعاع الحراري، التي لم تتفق مع النظريات السائدة، هو ما قاد إلى ميلاد مفهوم “الكمّ”، الذي قلب طاولة الفيزياء رأساً على عقب.
هذا الدرس يجب أن يكون حاضراً في أذهان كل من يزعم “التفكير العلمي”: أن الانفتاح على احتمالية الخطأ والجهل هو الشرط الأول للتقدم العلمي.
3. تحطيم صنم الإلغاء: التواضع أمام الوجود
إلى كل من يتبنى موقفاً إنكارياً مسبقاً من احتمالية وجود قوى أو كائنات غير مفسرة: إن الإقرار باحتمالية وجودها، لمجرد كونها خارج نطاق قياسنا الحالي، لا يعني تخلياً عن المنهج العلمي، بل هو قمة الحكمة العلمية.
– إنكار غير المدرك ليس علماً: فما زالت 95% من طاقة ومادة الكون تُصنّف تحت مسمّيات “الطاقة المظلمة” و “المادة المظلمة”، وهي قوى لا نعرف عنها شيئاً تقريباً. ومع ذلك، لا يمكننا نكران وجودها لأن تأثيراتها الجاذبية مرصودة بشكل لا يقبل الشك.
– الكون لا يزال قادراً على الإدهاش: كلما ظننا أننا وصلنا إلى نهاية الطريق، فاجأنا الكون باكتشافات جديدة: من أمواج الجاذبية التي تجاهلناها طويلاً، إلى الكواكب الخارجية (Exoplanets) التي لم نكن نعلم بوجودها بأعداد هائلة، إلى الظواهر البيولوجية المعقدة التي تفوق أبسط تخميناتنا.
إن التفكير العلمي الحقيقي هو الذي يرفض الاستحالة، ويستبدلها بـ الاحتمالية. إننا، ككائنات، لا نرى من الكون إلا شظايا صغيرة عبر نافذة إدراكنا. والحكمة تقتضي ألا نغلق تلك النافذة أو ننكر وجود الغرف الأخرى لمجرد أننا لم نتمكن بعد من العثور على المفتاح.
فلنترك غرور “المثقف السطحي” جانباً، ولنتبنى تواضع “العارف الحقيقي” الذي يدرك أن أعظم إنجازاته هي في اكتشاف المزيد من المجهول الذي ينتظره.

أضف تعليق