
متى يدركُ أصحابُ “المقاربةِ التبعيضية”، وإخوانُهم من أصحابِ “المقاربةِ التجزيئية”، أنَّ تبعيضَ النَّصِّ القرآني لن يُفضِيَ بهم إلى تبيُّنِ ما ينطوي عليه من معنى. فالنَّصُّ القرآني جملةٌ مفيدةٌ، أو أكثر، فإن اقتطعنا بعضاً منها فلن يكونَ للمعنى الذي ينطوي عليه هذا المقطع ما يُلزِمُ المتدبِّرَ بالأخذِ به.
ومثالُ ذلك ما شاعَ فينا من تجزئةٍ لجملةٍ قرآنية توهَّم مجتزئوها أنَّ لها معنى قائماً بذاتِه. لنتدبَّر المقطع القرآني الكريم: “عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ”. فهذا المقطع الكريم كثيراً ما يلجأ إلى الاستشهادِ به أولئك الذين يريدون أن يُشيعوا فكرةً مفادُها “لا ضيرَ من اقتراف السيئات طالما كان اللهُ سيعفو عن مقترفِها”. وهذا المعنى لا أصلَ قرآنياً له، وذلك لأنَّ النصَّ الكريم الذي يستندُ إليه لا ينبغي أن يُتدبَّرَ بمعزلٍ عن باقي الجملةِ القرآنية التي تنصُّ على: (عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَام) (من 95 المائدة).
وهذا مثالٌ واحدٌ من الكثيرِ من الأمثلةِ التي يكفلُ لنا تدبُّرُها أن نخلصَ إلى أنَّ شيوعَ هذه “المقاربةِ التجزيئية التبعيضية” لن ينجمَ عنه إلا مزيد من هجرِ القرآن: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) (30 الفرقان). فهجرُ القرآن تتعدَّدُ تجلياتُه بتعدُّدِ مقارباتِ أولئك الذين يريدون أن تشيعَ “فوضى المعنى” عوضَ الالتزام بما أمرَ به القرآن: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (82 النساء).
