
منذ اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا في الرابع والعشرين من فبراير عام 2022، بدا جليًّا أن القرار الحقيقي بوقف القتال لا يكمن في موسكو أو كييف، بل في العواصم الغربية الكبرى. فقد تحوّلت الحرب من نزاع إقليمي محدود إلى مسرح صراع دولي بين الغرب من جهة، وروسيا الاتحادية من جهة أخرى، بحيث باتت أوكرانيا تمثل ساحة اختبار لإعادة رسم موازين القوة في النظام الدولي.
تُظهر المؤشرات السياسية والعسكرية أن الغرب لا يسعى إلى تسويةٍ تضمن الأمن الأوروبي، بقدر ما يسعى إلى إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا، تُجبرها على الانكفاء الداخلي وتحدّ من طموحاتها الجيوسياسية. هذا الرهان يتجاوز حدود أوكرانيا؛ إذ يعكس طموحًا أعمق يتمثل في إضعاف البنية الاتحادية الروسية ذاتها، بما يجعلها عاجزة عن أداء دورٍ موازن في المشهد الدولي.
إن الهدف المبطَّن لهذا التوجه هو إزاحة الخطر الوجودي الذي يراه الغرب ماثلًا في الاتحاد الروسي، والذي ظلّ منذ نهاية الحرب الباردة يشكّل مصدر قلق دائم للمنظومة الأطلسية. ومن هنا، فإن استمرار الحرب يخدم هذا التصور الاستراتيجي، طالما ظلّ الأمل قائمًا في أن تؤدي الضغوط العسكرية والاقتصادية إلى إنهاك روسيا من الداخل.
لا يكمن سرّ إصرار الغرب على إطالة أمد الحرب في حساباتٍ عسكريةٍ بحتة، بل في إدارة زمن الصراع على نحوٍ يضمن إنهاك الخصم دون بلوغ نقطة اللاعودة. فالغرب يدرك أن انهيار روسيا دفعةً واحدة قد يفضي إلى نتائج كارثية، في حين أن تفككها التدريجي سيُتيح له إعادة تشكيل المجال الأوراسي وفق مصالحه.
غير أن هذا المنطق ينطوي على مفارقة خطيرة: إذ إن مواصلة الضغط قد تدفع موسكو إلى استخدام أسلحة غير تقليدية، حينها فقط سيتحول الرهان الغربي إلى مقامرة غير محسوبة. وحين يدرك الغرب أن استمرار الحرب بات يهدد توازن الردع النووي العالمي، عندها – وعندها فقط – سيقرر أن الوقت قد حان لإيقافها.
يبدو أن الغرب لا يتعامل مع الحرب في أوكرانيا بوصفها مأساةً إنسانية أو أزمة أمنية، بل باعتبارها فرصةً استراتيجية لتصفية حسابٍ تاريخيٍّ مع روسيا. ولهذا، فإن لحظة القرار بوقف الحرب لن تُتخذ بناءً على حجم الخسائر أو الكلفة البشرية، بل حين تتجاوز روسيا السقف الذي رسمه الغرب لصراعٍ “قابل للسيطرة”.
عند تلك اللحظة، سيتحول الأمل الغربي في هزيمة روسيا إلى خوفٍ وجودي من ردٍّ لا يمكن احتواؤه، وعندها فقط سيُعلِن الغرب أن الحرب قد بلغت نهايتها.
