توماس مان وغونتر غراس… تباين المقاربات للظاهرة الإنسانية بين الفلسفي-الميتافيزيقي والسياسي-الواقعي

تعد الأدبيات الألمانية الحديثة مرآة غنية لتعقيدات الوجود الإنساني، وقد أفرزت قامات فكرية متباينة في مقاربتها لتلك التعقيدات. يقف الكاتبان الألمانيان الكبيران، توماس مان (Thomas Mann) وغونتر غراس (Günter Grass)، على طرفي نقيض يكشفان عن أبعاد مختلفة جذرياً لكيفية فهم وتجسيد “الظاهرة الإنسانية” في أعمالهما. فبينما غاص مان في أعماق الأسرار الوجودية والفلسفية، اختار غراس الالتزام الصارم بقضايا الواقع السياسي والاجتماعي.
توماس مان: عذابات الروح والبحث عن المعنى الميتافيزيقي
تتمحور مقاربة توماس مان، الحائز على جائزة نوبل، حول الأسئلة الكبرى المتعلقة بـ العذابات الإنسانية، والتي يراها متجسدة في الصراعات الداخلية العميقة التي تُجبر أحداث الواقع شخصياته على مكابدتها والشقاء جراءها. لا يقدم مان الواقع كغاية بحد ذاته، بل كمسرح يختبر فيه الإنسان نفسه وتُكشف فيه هشاشة روحه وطبيعة وجوده.
إن أعمال مان تزخر بـ الجوانب الفلسفية-الدينية، وتعتمد على أبعاد رمزية وميتافيزيقية ثقيلة. فشخصياته، سواء في “الجبل السحري” أو “موت في البندقية”، تحمل أعباء البحث عن معنى يتجاوز حدود اليومي والملموس. إنها تبحث عن الخلاص أو التفسير في مواجهة أسئلة تتعلق بالجمال والموت والمرض والزمن والروحانية. مان، بهذا المعنى، يقدم تجربة أدبية تُحرض القارئ على مواجهة أعظم الأسئلة الوجودية، ويذكرنا بأن صراع الإنسان الحقيقي هو مع ذاته ومع القدر، وليس مجرد صراع مع بنى سياسية أو اجتماعية.
غونتر غراس: التزام الواقع وتثوير الذات السياسية
في المقابل، يمثل غونتر غراس، هو الآخر حائز على جائزة نوبل، تياراً أدبياً شديد الالتصاق بالواقع السياسي والاجتماعي، خاصة فيما يتعلق بتبعات الحرب العالمية الثانية وإرثها الثقيل على الوعي الألماني. إن مقاربة غراس تنبع من التزامه السياسي العميق وحرصه الشديد على أن “يثوّر الإنسان واقعه بتثوير ذاته”.
لقد ابتعد غراس كثيراً عن إضفاء أي جوانب فلسفية أو دينية تطغى على شخصيات رواياته، مثل أوسكار ماتزيرات في “طبل الصفيح”. شخوصه هي نتاج بيئتها السياسية والاجتماعية، وكفاحها هو كفاح ضد الظلم والنفاق وتشويه التاريخ. إن الانغماس السياسي لدى غراس كان عميقاً لدرجة أن قراءة نصوصه الأدبية قد لا تختلف كثيراً عن كتاباته السياسية المباشرة كما تجلت في مقالات الرأي التي كان يكتبها. الأدب هنا يصبح أداة للمساءلة السياسية والاجتماعية الفورية.
الخلاصة: ما بين الثورة الثقافية والأسئلة الوجودية الأزلية
هذا التباين الجذري يقودنا إلى النقطة المحورية: الشغف والتولع بالسياسة، واللذان جعلا غراس يبدو وكأنه يسترجع أجواء الثورة الثقافية التي عصفت بفرنسا ودول أوروبية أخرى خلال حقبة الستينيات، لم يجعلا غراس مشغولاً بذات الأسئلة الوجودية التي شغلت فكر مواطنه توماس مان.
لقد كان مان يهدف إلى ما هو أبعد من أزمات اللحظة. فرواياته تجعلنا نواجه تلك الأسئلة التي غالباً ما تضطرنا الهموم اليومية، ومنها تلك ذات الصلة بالسياسة، إلى نسيان أنها ما ينبغي أن ننشغل به نهاية الأمر.
إن البحث عن معنى الوجود، وما يعنيه أن نكون إنساناً، والتفكر في الأسباب التي جعلتنا نفعل كل هذا الذي يميزنا عن باقي الكائنات الحية، هو ما يتوجب علينا أن لا ننساه وأن نواصل رحلة البحث عن أجوبة. إن الانشغالات السياسية، على أهميتها، لا تزيدنا عن هذه الأسئلة الوجودية إلا بعداً. توماس مان، من خلال عمقه الفلسفي، يشدد على ضرورة عودة الإنسان إلى جوهره الروحي والمعرفي، فيما يصر غونتر غراس، من خلال التزامه، على أن هذا الجوهر لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال تغيير الواقع السياسي الفاسد. وبينهما، تتجلى غنى التجربة الأدبية الألمانية وتنوع سبلها في مقاربة اللغز المستعصي على الحل والمسمى “الإنسان”.

أضف تعليق