حين تُصَيِّرك ريحُ الله قلماً مِدادُه كلماته

ليست مقولةُ “صَيِّر نفسَكَ ريشةً في مهبّ ريحِ الله يُصيِّرك قلماً يفيض بـ(كلمات الله)” مجرد حكمةٍ عابرة، بل دعوةٌ إلى انقلابٍ وجوديٍّ شامل. فهي لا تتحدث عن التواضع ولا عن الاستسلام بالمعنى السطحي، بل عن تحوّل الكيان الإنساني نفسه إلى أداةٍ للفيض الإلهي. فحين تصيرَ النفسُ ريشةً، تصبح قابلةً لحركة الريح، لا تملك وجهةً إلا ما تهبّ به إرادةُ الله. وحين يفيض الله عليها من روحه، تتحوّل تلك الريشة إلى قلمٍ مِدادُه “كلمات الله”.
يبدأ الطريق بفعلٍ إراديٍّ: صَيِّر نفسَكَ.
لكنّ المفارقة أن هذا الفعل نفسه يرومُ إبطالَ الإرادة الفردية.
ففي التجربة الصوفية، لا يكتمل الإنسان حين يفرض مشيئته، بل حين يفرغُها من ذاته. إن الإرادة هنا تُستعاد لا عبر التمرّد، بل عبر التحرّر من الأنانية.
إن الريشة لا تقاوم الريح، لكنها لا تفقد كيانها كذلك؛ إنها تتحقّق في تبعيتها.
وهكذا الإنسان حين يسلمُ نفسه لله، لا يذوب في العدم، بل يتماهى في الكينونة الأوسع التي هي إرادة الحق. عندئذٍ يصبح فعله امتدادًا لفعل الله، وكلمته ظلاً لكلماته.
الريشة في رمزية النص ليست مجرد خفّةٍ مادية، بل خفة الوجود بعد التطهّر.
إنها ما تبقّى من الإنسان حين تذوب عنه الزوائد: الغرور، الغاية، الحساب، التملك.
وفي تلك الخفّة، يتجلّى السرّ الأكبر: أن ما يُرفع عن الأرض لا يعود إليها إلا محمّلاً برسالة.
وحين تلامس الريشة مهبّ ريح الله، تنقلب ماهيتُها: تصير قلمًا، أي تتحوّل من قابليةٍ للتلقي إلى أداةٍ للتجلّي.
إنها الرحلة من الصمت إلى النطق، من السكون إلى الإشعاع، من التلقي السلبي إلى الفيض الإيجابي.
فما كان بالأمس ريحًا تمرّ على الريشة، يصبح اليوم مدادًا ينساب منها.
«يُصَيِّرك قلماً يفيض بـ(كلمات الله)» هي ذروة التحوّل.
فالكتابة هنا ليست فعلًا لغويًا، بل حدثًا كونيًا يتجلّى فيه فعلُ الله عبر كلماتِه.
لقد أشار القرآن إلى القلم أول ما خلق الله، وجعل به التعليم والبيان، وكأن الوجود ذاته كُتب بالقلم الإلهي قبل أن يُنطق بالكلمة.
ومَن صار قلمًا في يد الله، لم يعد يكتب من ذاته، بل يُكتَب به.
في هذا الفهم، المعرفة ليست اكتسابًا بل كشفًا، وليست امتلاكًا بل استقبالاً.
إنها نوع من الاتصال المستمر بين الغيب والشهادة، تتحقق في لحظة صفاءٍ يصبح فيها الفكر مرآةً للفيض، لا مولّدًا له.
وهكذا تنقلب علاقة الإنسان بالمعرفة من التسلّط إلى الشهادة، ومن الادعاء إلى الإنصات، ومن التملك إلى شهود تجلي آثار الفعل الإلهي.
حين تُصَيِّرك ريح الله قلمًا، لا تعود الكتابة مجرّد مهارة أو حرفة. تصبح عبادةً جماليةً يتجلّى فيها الجلال.
الريشة كانت أداة الفنّ، والقلم أداة البيان؛
وفي جمعهما تنعقد وحدة الجمال والعقل، الحسّ والروح، الصورة والكلمة.
الإبداع هنا ليس إنتاجًا بل إشراق، والفن ليس تقليدًا للطبيعة بل مشاركةً في فعل الخلق.
فالذي يكتب بالله، يجمّل العالم بِغيضٍ من فيض جمال الله، ويعيد وصل الجمال بالمقدّس، والعقل بالوحي، والإنسان بما يُمَكنه من أن يصبح الإنسان الذي أراده الله.
إنّ المقولة لا تدعونا إلى أن نكون طائعين فحسب، بل إلى أن نصبح شفّافين حتى تمرّ فينا إرادة الله كما تمرّ الريح بين أجنحة الطير.
وحين تبلغ النفس تلك الدرجة من الصفاء،
يتغمدها الله لتكون أداةً في يده، فيكتب بها ما يشاء من كلمات النور.
وهكذا، يصبح الإنسان الذي خفّف ذاته من ثقل الأنا قناةً للفيض، ويغدو فعله في الأرض استمرارًا لفعل الخلق الإلهي.
فما الكمال إلا أن يصير الإنسان ريشةً في مهبّ ريح الله… قلمًا يفيض بكلماته.

أضف تعليق