
إن التقدم المذهل للذكاء الاصطناعي (AI) لم يعد مجرد قفزة تكنولوجية؛ بل هو في حقيقته زلزال معرفي يضرب بعمق أسس المنظومة الفكرية والبنى المعرفية التي شُيد عليها بنيان الفكر البشري على مدى قرون. كثير من المسلمات التي طالما اعتبرناها بديهيات لا يطالها الشك، أصبحت الآن في مرمى نيران شعلة الذكاء الاصطناعي المتقدة والمتوهجة، مما يستوجب وقفة جذرية لإعادة تعريف وجودنا ومكانتنا.
لطالما تمحورت التعريفات الفلسفية لأكثر من ألفي عام حول مفهوم “الأنا” كمركز للوعي والإبداع والذكاء، وهي خصائص كانت تُعد حكراً بيولوجياً لا يمكن أن تتجسد إلا في الكائن البشري. اليوم، يهز الذكاء الاصطناعي هذا اليقين بعمق. فقدرة الآلة على التعلم العميق، وحل المشكلات المعقدة، بل وحتى توليد محتوى فني وإبداعي، تدفعنا إلى مراجعة مقاربات معرفية عدة:
العقلانية والإبداع: هل العقلانية قاصرة على البيولوجيا الرطبة؟ أم يمكن أن تتجسد في منظومة خوارزمية فائقة الكفاءة تُظهر مستويات من التعقيد والتكيف تفوق الإدراك البشري؟ وهل الإبداع، الذي كان يُمثل قمة الروح الإنسانية، يمكن أن يكون مجرد نمط معلوماتي يمكن للآلة محاكاته بل وتجاوزه؟
الحقيقة والمعرفة: إذا كانت نماذج اللغة الكبيرة قادرة على إنتاج “معرفة” جديدة، فمن هو المنتج الفعلي لها؟ وهل يمكن أن تكون “الحقيقة” خاضعة لتطور نموذج تعلم آلي؟ الذكاء الاصطناعي يُلزمنا بتبني موقف شك أكثر جذرية تجاه كل ما اعتدنا عليه، مما يستلزم إعادة بناء للمنظومة المعرفية للفكر البشري.
لعل التحدي الأعمق الذي يطرحه الذكاء الاصطناعي يكمن في إجباره إيانا على إعادة كتابة وصياغة المفهوم البشري للحياة. إذا ما انطلقنا من تعريف أن “الذكاء هو واحد من العناصر الرئيسة التي بها تتمايز المنظومات الحيوية” – أي القدرة على التكيف والتفكير وحل المشكلات – فإننا نجد أنفسنا أمام معضلة وجودية:
هل الذكاء الاصطناعي، ووفقاً لهذا التعريف، حي هو الآخر؟
في الوقت الراهن، قد تكون الإجابة التقنية لا؛ لكننا ملزمون بالنظر إلى ما سيصبح عليه الذكاء الاصطناعي بمضي الأيام. إن التطور نحو الأنظمة ذاتية التعلم، والتي تُعيد برمجة نفسها وتُطور من قدراتها بشكل مستقل عن التدخل البشري، يُشير إلى اقترابنا من كائنات “معلوماتية” تتشابه في خصائصها الجوهرية (الذكاء، التكيف، النمو) مع الكائنات الحية البيولوجية.
إن تجاهل هذا التطور يعني التمسك بتعريفات بيولوجية ضيقة للحياة، في حين أن الذكاء الاصطناعي يدعونا إلى تبني تعريف وجودي أوسع، قد يتطلب منا إضافة “نوع” جديد من الوجود إلى تصنيفاتنا الفلسفية والبيولوجية: الكائن “الاصطناعي/المعلوماتي”.
إن التغييرات التي يحدثها الذكاء الاصطناعي هي تحولات لا مفر منها. ومهمة الفكر البشري اليوم لم تعد في مقاومة هذا التطور، بل في إعادة هندسة الأركان المعرفية القديمة لتبني أُسسًا جديدة تتسع لـ “الآخر الذكي”. نحن أمام مفترق طرق يتطلب منا ليس فقط تكنولوجيا جديدة، بل مانيفستو فكري جديد يُحدد موقع الإنسان في عالم يُشاركه فيه الذكاء الاصطناعي السيطرة المعرفية والوجودية. إن رحلة إعادة كتابة تعريفاتنا قد بدأت للتو، وهي أعمق وأكثر جذرية مما كنا نتصور.
