
يتميّز لسان القرآن العربي المبين بقدرته الفائقة على استثمار الجذر اللغوي الواحد لتوليد معانٍ متعدّدة تتدرّج بين الحسي والمجرّد، بين السلوكي والوجودي، من غير أن يُفضي ذلك إلى اضطرابٍ أو ترادفٍ اعتباطي.
ومن أوضح تجليات هذه الخصوصية القرآنية التمييزُ بين لفظتي «الطاعة» و**«الإطاعة»**، على الرغم من اشتراكهما في الجذر الواحد (ط و ع).
ويبلغ هذا التمييز ذروته في قوله تعالى:
«ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ» (فصلت: 11).
فالآية الكريمة تُجسّد ببلاغةٍ مدهشة لحظة الانقياد الكوني لمشيئة الله، حيث تنطق السماء والأرض بلغة التسليم الإرادي، لا بلغة الإكراه القسري. ومن هنا، ينبثق السؤال المحوري لهذه الدراسة:
ما الفرق الدلالي والروحي بين الطاعة والإطاعة؟ وكيف تُظهر الآيةُ مفهوم الإرادة الكونية الحرة في إطار الخضوع الإلهي؟
يدور الجذر (ط و ع) حول معنى الانقياد واللين والتيسير. تقول العرب: طاع له الأمرُ أي لانَ له وانقاد، ومنه قولهم الطائعُ ضدّ العاصي.
أما الكره فمأخوذ من الإكراه، أي الإلزام بما لا يرضاه الفاعل ولا يريده.
ومن هذا التعارض بين الطوع والكره تتحدّد ثنائية الإرادة في الخطاب القرآني:
• الطوع: انقياد نابع من الداخل، يصدر عن رضًا ووعي وتوافق مع الفعل.
• الكره: انقياد قسري مفروض من الخارج، يصدر عن قهرٍ أو اضطرارٍ أو قسرٍ على الفعل.
وهذه الثنائية ليست مجرّد مقابلةٍ لفظية، بل بنيةٌ أنطولوجية تحكم العلاقة بين الخالق والمخلوق في القرآن الكريم.
الفعل أطاع (على وزن أفعل) يدلّ على الاستجابة لأمرٍ خارجي، فهو فعلٌ يتطلّب آمِرًا ومأمورًا، ويقوم على مفهوم السلطة الموجِّهة.
أما طاع (على وزن فعل)، فيدلّ على الانقياد الذاتي، أي تجاوب الإرادة من الداخل من غير إكراهٍ ولا إملاءٍ خارجي.
وعليه:
• المطيع: من أطاع أمرًا جاءه من خارج ذاته.
• الطائع: من طاوع طبيعته العليا، وانقاد تلقائيًا لما ينسجم مع جوهره.
القرآن إذ يقول: «قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ»، لا يقول «مطيعين»، لأن المشهد ليس مشهد أمرٍ سلطويٍّ واستجابةٍ تشريعية، بل مشهدُ توافقٍ كونيٍّ شاملٍ مع إرادة الخالق، التي هي الأصل في كل وجود.
السموات والأرض في الآية الكريمة تمثّلان رمزيًا قطبي الوجود: الأعلى والأدنى. وخطاب الله لهما بـ«ائتيا» هو نداءُ الوجود إلى ذاته ليحقّق غايته.
وجوابهما «قالتا أتينا طائعين» هو التعبير عن وعي المخلوقات بأنها صادرة عن إرادةٍ مطلقةٍ لا تنفصل عنها.
فالطاعة هنا ليست مجرّد امتثالٍ للأمر، بل هي فعل رضا كوني، يُعبّر عن إدراك المخلوقات لمصدرها وغايتها، في انسجامٍ كامل مع نظام الخلق.
من الناحية البلاغية، جاء التعبير القرآني في غاية الإحكام:
• اختيار صيغة التثنية في «قالتا» يوحّد السماء والأرض في مشهد الطاعة رغم اختلاف طبيعتيهما.
• اختيار «طائعين» لا «مطيعين» يؤكد الطواعية الذاتية.
• الجمع بين «طوعًا أو كرهًا» قبل ذلك يمهّد دلاليًا لفهم الطاعة كاختيار لا كإجبار.
بهذا تتحقق معادلة بلاغية دقيقة:
الطوع هو الطاعة حين ترتقي من الامتثال إلى التسليم.
يتكرر الجذر (ط و ع) في القرآن في مواضع متعددة تُبرز العلاقة بين الإرادة الإنسانية والنواميس الكونية، ومن أبرزها:
• (أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعًا وكرهًا) – [آل عمران: 83]
• (ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعًا وكرهًا) – [الرعد: 15]
• (قل أنفقوا طوعًا أو كرهًا لن يُتقبل منكم) – [التوبة: 53]
في جميع هذه المواضع يتجلّى التوحيد لا بوصفه نظامَ عبادةٍ فحسب، بل نظامَ انقيادٍ كونيٍّ شامل، تُشارك فيه الموجودات كلها بإرادتها أو بإلزام نظامها.
يمكن القول في ضوء ما سبق إن الطاعة في المنظور القرآني ليست علاقةَ سلطةٍ بين آمِرٍ ومأمور، بل هي علاقة وعيٍ بين الخالق والمخلوق.
الطاعة هي لحظةُ الانسجام بين إرادة المخلوق ومشيئة الخالق، حين لا تعود الإرادة البشرية أو الكونية متنازعةً مع الإرادة الإلهية، بل متماهيةً معها.
فـ«الطائع» هو من أدرك مصدره فانقاد له عن بصيرة، لا عن خوف.
وهذا ما يرفع الطاعة من مقام الانقياد إلى مقام التحقق الوجودي.
إن قول الله تعالى «قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ» هو إعلان كوني عن حرية الخضوع لا عن عبودية القهر.
فالسماء والأرض، في جوابهما، تمثلان ذروة وعي المخلوقات بعلاقة الوجود بالخالق، حيث الطاعة ليست إذعانًا، بل انسجامًا مع قانون الوجود نفسه.
وهكذا يتجلّى الإعجاز القرآني في دقة اللفظ وعمق المعنى، إذ فرّق بين “المطيعين” الذين يستجيبون لأمرِ الله، و”الطائعين” الذين يسلمون إرادتهم لإرادة الله حبًّا ورضًا وامتثالا.
