صراع العقل والروح… نداء “الخلاص الخارجي” في أدب هرمان هيسه

تُعد الثنائية الوجودية بين المتعلم الناسك (الروح، الفكر، الدوام) والعاشق الحسّي (الجسد، الفن، التغير) محورًا فكريًا متكررًا في أعمال هرمان هيسه. تتجلى هذه الثنائية بوضوح في رواية “نرسيس وغولدموند” (Narcissus and Goldmund)، كما تنعكس أبعادها في بطلَي “لعبة الكريات الزجاجية”، كنشت (المتعلم) وبلينيو (رجل العالم)، وفي مسارَي سدهارتا (التأمل ثم الحياة). هذه الروايات تُظهر بوضوح أن صراع القطبين داخل التجربة الإنسانية لا يمكن حسمه أو تسويته بجهد بشري فردي محض، مما يقود إلى استنتاج أن الخلاص من هذا التناقض الجوهري لا بد أن يكون مصدره خارج المنظومة البشرية.
في رواية “نرسيس وغولدموند”، يُمثل نرسيس عالم الروح والعقل المطلق والانضباط الرهباني، وهو الباحث عن الجوهر الخالد. في المقابل، يُمثل غولدموند عالم الحواس والفن والحب والتجربة المادية المتقلبة، الباحث عن “الأم” المفقودة والجمال المتغير. ينتهي مسار كل منهما إلى نهاية غير مكتملة: نرسيس يظل وحيدًا في صومعته يعترف ببعض الغيرة على تجارب غولدموند، بينما غولدموند ينتهي به الأمر إلى اعتراف مأساوي بأن رحلة البحث الحسي لا يمكن أن تمنحه الوحدة المطلقة، وأن ما سعى إليه يظل سرًا لم يبلغه.
هذا الانقسام يتكرر في:
• “لعبة الكريات الزجاجية”: كنشت يمثل النقاء الفكري لكاستاليا، وبلينيو ديزاينوري يمثل الفوضى العاطفية والالتزام بالواقع الدنيوي.
• “سدهارتا”: يمثل مسار سدهارتا ذاته محاولة لدمج القطبين؛ فهو ينطلق ناسكًا ثم يعيش عاشقًا وتاجرًا، لكنه لا يجد “الكمال” إلا في صوت النهر (رمز للوحدة الصوفية البحتة) التي لا يمكن نقلها أو تعميمها كـ”هدي”.
تكشف هذه المسارات عن عجز الإنسان الفردي عن إيجاد “الوصفة السحرية” التي توحد قطبَي وجوده. فعندما يختار الإنسان الانغماس الكلي في أحد القطبين:
• إذا اختار العقل المطلق (نرسيس، كنشت قبل الرحيل): يجد نفسه في عزلة نُخبوية و”برج عاجي” يفتقر إلى الحياة الحقيقية، مُعرَّضًا للجفاف الروحي.
• إذا اختار الحس المطلق (غولدموند، سدهارتا في مرحلة الشباب): يجد نفسه في فوضى وعبثية، حيث لا يمكن للجمال الزائل أن يرضي تعطش الروح للخلود والمعنى.
النهايات المأساوية أو غير المُرضية لأبطال هيسه (موت كنشت غرقًا، اعتراف غولدموند بالهزيمة الجمالية، وحدة سدهارتا غير القابلة للتعليم) هي إقرار غير واعٍ من هيسه بأن الجهد الفردي، مهما كان صادقًا وعميقًا، لا يمكن أن يقود إلى توليف حاسم يزيل التناقض الجوهري بين مكوّنات الإنسان. هذا التناقض ليس مجرد مشكلة نفسية، بل هو تناقض وجودي متأصل في طبيعته البشرية القاصرة.
يقودنا اعتراف هيسه الضمني بعجز الذات إلى المسار المنهجي الذي يتجاوز المنظومة البشرية: ضرورة التوجيه الإلهي الخارجي (الهدي).
إن إدراك الفرد لعجزه عن صنع “الوحدة” بنفسه، هو في حد ذاته نقطة الانعطاف التي تُوجّه بوصلته نحو مصدر خارج عن المحدودية البشرية. هذا التوجيه، المتمثل بما يُرسله الله من رسائل واضحة ومُعلَنة عبر مبلغين، هو وحده القادر على:
• فك تناقض المتعلم والعاشق: من خلال تقديم منهج حياة شامل لا يلغي العقل ولا يلغي الجسد، بل يضعهما في خدمة معنى أسمى، مما يُحقّق الوحدة التي عجز نرسيس وغولدموند عن تحقيقها بمفردهما.
• ضمان دوام المعنى: الهدي الخارجي يمنح الإنسان تجربة وجودية دائمة وشمولية، تُحوّل التناقض الداخلي إلى انسجام إيماني يُجيب على الأسئلة الوجودية الكبرى، ويُخرجه من دائرة العبثية التي تلازم البحث الفردي غير المُوجَّه.
• تجاوز الفردية النخبوية: خلافاً لـ”لعبة الكريات الزجاجية” التي كانت نخبويّة، أو وحدة سدهارتا الصوفية، فإن الهدي الإلهي يُمثل “وصفة” عالمية مُتاحة للجميع، تضمن “الحل” لكل من اختار اتباعها، وتُبرهن على حقيقتها بقدرتها العملية على تحويل الفرد من حالة التناقض إلى حالة الوضوح والمعنى والقدرة على تبين المعاني الكامنة في كل ما يطرأ عليه وعلى العالم.
لم يجد أبطال هيسه حلهم الكامل في الداخل أو في التجربة الفردية المطلقة، بل كانت رحلتهم الفكرية والوجودية المتعمقة اعترافاً ضمنياً بأن الخلاص من أسر المتعلم والعاشق لا يمكن أن يتم إلا بـتوجيه أسمى وأبدي يضمن للإنسان، عبر الاتباع الواعي، تجاوز حدوده البشرية نحو معنى خالد ومُطلق.

أضف تعليق