
يُعدّ سؤال “ما الإنسان؟” من أكثر الأسئلة استعصاءً على الإجابة منذ أن حاولت الفلسفة والعلم واللاهوت الاقتراب من جوهره. وقد اتخذت المقاربات الحديثة لفهم الظاهرة الإنسانية، خصوصاً في القرن العشرين، منحى اختزالياً (reductive) سعى إلى ردّ كل ما في الإنسان من مظاهر وسلوكيات إلى العوامل الفيزيولوجية أو الكيميائية أو الاجتماعية أو الجينية التي يمكن قياسها وتكميمها.
غير أنّ هذا المنحى، رغم ما أحرزه من معرفة دقيقة بآليات الجسد والدماغ، لم ينجح في الإمساك بحقيقة الإنسان في كليته؛ إذ ظلّ عاجزاً عن تفسير الكثير من السلوكيات الإنسانية التي تتجاوز حدود المادة والمنفعة والسببية الميكانيكية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة كُليّة گشتالتية ترى الإنسان باعتباره كياناً متجاوزاً لأجزائه، لا مجرّد مجموعٍ لمكوّناته.
المقاربة الاختزالية هي وريثة النزعة الديكارتية التي فصلت بين النفس والجسد وجعلت الإنسان موضوعاً للتحليل المادي، يُفهم من خلال تفكيكه إلى وحداته الأدنى.
ففي الطب الحديث مثلاً، يُردّ السلوك إلى التفاعلات العصبية والهرمونية، وفي الاقتصاد إلى دوافع المنفعة، وفي علم الاجتماع إلى البنية الثقافية أو الطبقية، حتى أصبح الإنسان “نتاج أنساق” لا ذاتاً فاعلة.
لكن هذه الرؤية، على الرغم من اتساقها العلمي، تفقد معناها عند محاولة تفسير ظواهر مثل الإيثار، التضحية، الإلهام، أو حتى الشعور بالندم؛ إذ لا يمكن ردّ هذه الحالات إلى تفاعلات كيميائية فحسب دون فقدان جوهرها الإنساني.
إنّ عجز المقاربة الاختزالية عن فهم الإنسان لا يعود إلى ضعف أدواتها التجريبية، بل إلى قصور منهجي في رؤيتها للإنسان كموضوع مغلق يمكن تحليله بالكامل من داخل أنساق العلم.
فالإنسان ليس مجرّد مجموعٍ لمكوّناتٍ فيزيولوجية أو سيكولوجية، بل هو كيانٌ واعٍ قادر على تجاوز ما يُفترض أنه محدّداته البيولوجية والاجتماعية.
وهذا ما يجعلنا نرى سلوكيات إنسانية لا يمكن التنبؤ بها أو تفسيرها من داخل القوانين العلمية التي تُحاول تفسيرها، كالتوبة بعد الخطيئة، أو العطاء في ذروة الفقر، أو مقاومة الظلم رغم غلبة الخوف.
هنا يصبح واضحاً أن هناك شيئاً في الإنسان أكبر من كل ما يمكن ردّه إلى سبب.
نشأت المدرسة الگشتالتية في علم النفس على يد ماكس فِرتهايمر وكورت كوفكا وفولفغانغ كوهلر، وكانت ثورة على النزعة التحليلية التي سادت مطلع القرن العشرين.
جوهر هذه المدرسة أنّ الكلّ أكبر من مجموع أجزائه، وأن فهم الظواهر النفسية لا يتحقق بتفكيكها، بل بالنظر إلى بنيتها الكلية والعلاقات الداخلية التي تنسجها.
فالمربع ليس مجرد أربعة أضلاع، كما أن اللحن ليس مجرد تتابع نغمات، وكذلك الإنسان ليس مجرد تفاعل جينات وخلايا، بل نظام متكامل يُنتج دلالةً جديدة غير قابلة للاختزال إلى عناصره.
من هذا المنطلق، يمكن فهم الإنسان بوصفه بنية كلية تَعبُر مستويات الوجود المادي والمعنوي، ويتجلّى فيه المعنى من خلال الوعي والإرادة والغاية.
يتّسق هذا الفهم الكلّي تماماً مع التصوّر القرآني للإنسان الذي يقرّر أنّ الإنسان كائنٌ حرّ الإرادة، مسؤول عن اختياره، وقادر على توجيه مصيره.
يقول الله تعالى:
“وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ” (البلد: 10)
“فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ” (الكهف: 29)
هاتان الآيتان ترسمان بوضوح صورة الإنسان الفاعل الذي لا يُختزل في بيولوجيته أو غرائزه، بل يملك قدرة ذاتية على الاختيار والتجاوز.
إنّ الإرادة المفعّلة هي جوهر إنساني يعلو على كل تفسير علمي محض، لأنها تمثل الشرط الوجودي للحرية، والمصدر الأول للمعنى والأخلاق.
ولذلك فإن الإنسان حين يفعّل إرادته الخيّرة يسمو إلى مستوى يتعذر على المقاربة الاختزالية أن تفسّره، وحين يعطّلها أو يفعّل إرادة الشر، يهبط إلى مستوى لا يمكن فهمه بمجرد المعادلات النفسية أو البيولوجية.
الاختلاف الجوهري بين المقاربتين يكمن في الغاية:
• فالمقاربة الاختزالية تفسّر الإنسان بوصفه نتيجة أسباب.
• أما المقاربة الگشتالتية القرآنية فـتفهم الإنسان بوصفه ذاتاً حرّة قادرة على توجيه الأسباب نحو غاية معنوية.
وهذا التحول من التفسير إلى الفهم هو ما يُنقذ الإنسان من أن يتحول إلى كائن آلي، ويعيد له إنسانيته الكاملة بوصفه صانعاً للمعنى لا مجرّد موضوع للعلم.
من شأن الدمج بين المقاربة الگشتالتية والفهم القرآني للإرادة أن يفتح الطريق أمام علم إنساني جديد يوازن بين المعرفة التجريبية والرؤية الوجودية.
فالإنسان ليس آلةً من خلايا وأعصاب، بل مشروع وعيٍ يسعى لإدراك ذاته وتجاوز حدوده.
إنّ استعادة هذا الفهم الكلّي ضرورة لإنقاذ العلوم الإنسانية من اختزالها في المقاييس الإحصائية والمخبرية، ولإعادة الاعتبار إلى ما يجعل الإنسان إنساناً:
إرادته الحرة، ووعيه، وقدرته على أن يكون أكبر من مجموع مكوّناته.
