
لقد آن للوعي الإنساني أن يتحرّر من وهْم الفراغ.
ذلك الفراغ الذي صاغه بعينٍ بشريةٍ ترى كلّ ما لا تُدركه “عدمًا”، وكلّ ما تُدركه “وجودًا”.
الإنسان — في محدوديّته الإدراكية — جعل من الفراغ نقيضًا للمادة، ومن اللاشيء مرادفًا للعدم، ناسِيًا أن ما يسميه “فراغًا” قد يكون امتلاءً من نوع آخر؛ امتلاءً لا يعترف بحدود حواسّه ولا بمعايير أدواته.
لقد آن أن نكفّ عن النظر إلى الكون بمنظارٍ أنثروبومورفي يرى ذاته مركزًا، ويرى سواها هامشًا.
لم يكن الفراغ الكوني يومًا صفةً للكون بقدر ما هو إسقاطٌ بشريٌّ على اللامرئي.
فالإنسان لا يستطيع أن يتخيل وجودًا لا يخضع لشروطه الإدراكية.
لهذا نراه يقول: “هنا فراغ”، أي “هنا ما لا أراه ولا ألمسه”.
ولكن أيّ منطقٍ يجيز أن يكون ما لا نُدركه لا وجود له؟
أليس في هذا القول إعلانٌ صريحٌ بأن الإنسان لا يزال يقيس الكون بمقاسه هو؟
وهنا تكمن المعضلة الكبرى: لقد جعلنا من محدوديتنا معيارًا للوجود، ومن جهلنا أصلًا للتعريف.
تخيلوا كائنًا يسكن ما نسمّيه نحن “الفراغ الكوني”.
كائنًا لا يعرف المادة كما نعرفها، ولا الضوء كما نرصده، بل يعيش في طيفٍ آخر من الوجود.
من موقعه، يرى هذا الكائن أن ما نسميه “الملاء الكوني” — أي النجوم والمجرات والغبار الكوني — ليس إلا نقطة عائمة في بحرٍ من الامتلاء.
نحن بالنسبة إليه كمن يعيش على قشرةٍ من الضوء فوق محيطٍ لامتناهٍ من الطاقات والكيانات التي لا نراها.
هكذا يُعاد التوازن بين “الملاء” و”الفراغ”: ما نعدّه فراغًا هو امتلاؤه، وما نعدّه امتلاءً هو ندرته.
إنّ مصطلح “الفراغ الملآن” ليس تناقضًا لفظيًا، بل تصحيحٌ أنطولوجيٌّ لتصورٍ خاطئ.
فالفراغ ليس خلوًّا من الوجود، بل خلوٌّ من أحد أنماطه التي نحن فقط نعرفها.
إنه امتلاءٌ بما لا يُدرك، بما لا يقع تحت أدواتنا، بما يتجاوز طيفنا الحسيّ والمعرفيّ.
وإذا كان “الملاء” هو المادة والطاقة التي نراها، فإن “الفراغ الملآن” هو الطيف اللامرئي من الوجود الذي يضمّنا دون أن نعيه.
إنه ليس نقيضًا للمادة بل أصلها، وليس لاشيئًا بل المهيمن الكوني الذي نُقيم فيه دون وعي.
منذ أرسطو إلى نيوتن، ومن أينشتاين إلى الفيزياء الكمية، ظلّ الفراغ مادة النقاش الكبرى التي تتناوبها النظريات.
لكن ما بعد الفيزياء — ما بعد “الملاء” — هو ما يهمنا هنا:
فإذا كانت الموجة والجسيم وجهين لذاتٍ واحدة، أفلا يكون الفراغ والمادة كذلك وجهين لذاتٍ أنطولوجيةٍ واحدة؟
الوعي الإنساني، إذ يعيد تعريف “الفراغ الملآن”، يتحرر من ثنائية “وجود/عدم” نحو فهمٍ ثالث:
أنّ كلّ ما هو كائنٌ هو ملآن، وكلّ ما هو ملآنٌ هو في فراغٍ أعظم.
ندعو إلى ثورةٍ مفهومية في علم الوجود وفي اللغة معًا:
أن نعيد النظر في مفرداتنا، فلا نقول “الفضاء الفارغ”، بل “الفضاء الملآن”؛
ولا نقول “العدم”، بل “اللامُدرك بعد”.
أن نكفّ عن الحديث باسم الوجود كما لو كنا وكلاء عنه، وأن نُقرّ بأن للكون نظراتٍ أخرى — كائناتٍ أو طاقاتٍ أو حالاتٍ — ترى فينا نحن الفراغ الحقيقي.
فمن منظورها، الإنسانُ هو الكائن الأقل امتلاءً، لأنه وحده من ظنّ أنه مركز الوجود.
الفراغ الملآن ليس نظريةً فيزيائية، بل انعطافة إبستمولوجية في فهم الوجود.
إنه دعوة لأن نصمت قليلًا أمام ما لا نُدرك، لا بوصفه غيابًا بل حضورًا أعظم.
فالكون، حين يُصغي إلى الإنسان وهو يقول “هذا فراغ”، يبتسم في سرّه،
لأنّ الفراغ، في حقيقته العليا، مفعمٌ بما لم نعرفه بعد.
