خنفساءُ الصوف وجيبُ الحاوي

أمثالُ الشعوب تكتنزُ حكمةً توارثتها بسببٍ من قدرتِها المتجددة على أن تتعاملَ مع مستجداتِ الأمور تعاملَها مع الأحداثِ التي تسببت في صياغتِها. فأمثالُ الشعوب هي خلاصةُ ذاكرتِها وفحوى تجربتِها، فهي تمثلُ القولَ الفصل عندما تعجزُ الألسنُ عن النطقِ بما فيه فصلُ الخطاب. ولأن أمثالَ الشعوب هي ذاكرتُها المتوارَثة شِفاهاً، بادئَ الأمر، فلقد ظلَّ عددُها يزداد باضطراد. وفي ذلك يقولُ المثَلُ الشعبي العراقي: “أبو المثل لم يدع شيئاً إلا وقالَه”، كما ويقولُ المثَلُ الشعبي المصري الأمرَ ذاته بصياغةٍ مختلفة: “ياما في جيبك يا حاوي”.
ولعل خيرَ مثلٍ شعبي يصف حالَ الإنسان في سعيِه للخلاصِ من أزمتِه الوجودية هو ما يقولُه المَثَلُ العراقي، واصفاً حالَ المتخبطِ في قراراتِه، العاجزِ عن إيجادِ حلٍّ “يصفِّرُ” مشكلاتِه: “كالخنفساء في الصوف”. فالخنفساء العالقة في الصوف لن تزداد بمحاولاتِها تخليصَ نفسِها منه إلا تعلُّقاً به. وسببُ اختياري هذا المثَل لوصفِ حالِ الإنسان الساعي لإيجادِ حلٍّ لحالتِه البشرية The human condition هو أن الإنسان لن يزدادَ إلا عجزاً عن إيجادِ هذا الحل مهما حاول، بل أنَّ محاولاتِه الفاشلة لن ينجمَ عنها إلا مزيدٌ من التخبط المتفاقم. ولذلك فليس هناك من حلٍّ يخلِّصُ الإنسانَ من أزمتِه الوجودية، وينقذُه من حالتِه البشرية، إلا بأن تُمَدَّ له يدُ المساعدةِ من قِبل مَن وحدَه بمقدورِه أن يقومَ بذلك. فاللهُ الذي خلقَ الإنسان هو وحده القادر على أن يخلِّصَ الإنسانَ من أعباءِ بشريتِه، ويضعَ عنه وِزرَه الذي أنقضَ ظهرَه.

أضف تعليق