التنمّر”… انحراف تطوري في مسار الوعي الإنساني

إذا كان السلوك الحيواني موجَّهًا بالبقاء والتكاثر، فإن السلوك الإنساني يخرج عن هذا الإطار، حيث تظهر ممارسات لا يمكن تفسيرها بمبدأ المنفعة التطورية.
ومن بين تلك الممارسات، يأتي التنمّر بوصفه ظاهرة متفردة في المملكة الحيوانية، إذ لا نجد ما يماثله إلا في صور محدودة من العدوان الغريزي عند بعض الكائنات الاجتماعية (كالقرود أو الذئاب)، لكن دون عنصر “اللذة بإذلال الآخر” أو “التعمد الرمزي للإيذاء”، الذي يميز السلوك البشري.
إن التنمّر، بهذا المعنى، هو سلوك رمزي بامتياز، لا يسعى إلى إشباع حاجةٍ غريزية، بل إلى تأكيد الذات عبر تحقير الآخر، أي أنه فعل ما فوق بيولوجي، يتطلب وعيًا بالآخر وبذاته كموضوع للسلطة.
ومن هنا تنبع خصوصيته كظاهرة إنسانية لا نظير لها في الطبيعة.
تُظهر دراسات علم السلوك الحيواني (Ethology) أن العدوان في الطبيعة يخضع لحدودٍ بيولوجية واضحة:
• هو مؤقت،
• وظيفي،
• لا يتجاوز غايته الدفاعية أو التنافسية.
بينما عند الإنسان، يتجاوز العدوان هذه الحدود إلى مستوى رمزي ومعنوي، يتحول فيه الآخر إلى مرآة نفسية يعكس عليها الفرد هشاشته الداخلية.
يشير كونراد لورنتس (Konrad Lorenz) في كتابه On Aggression إلى أن تطور القشرة الدماغية عند الإنسان أضعف “الكوابح البيولوجية” التي تمنع القتل أو الإيذاء في الحيوان، مما سمح بظهور أشكال عدوان غير مبررة وظيفيًا.
ويذهب ستيفن بينكر (Steven Pinker) في The Better Angels of Our Nature إلى أن الإنسان وحده قادر على ممارسة العنف غير الضروري بدافع الكره أو الانتقام الرمزي، لا البقاء.
بناءً على ذلك، يمكن اعتبار التنمّر تحولًا نوعيًا في العدوان، من فعل غريزي إلى سلوك رمزي ذي مضمون اجتماعي-نفسي.
من منظور علم النفس التطوري، تُبرَّر أغلب السلوكيات الإنسانية — حتى العدوانية منها — بمنفعةٍ ما: كالهيمنة، أو المكانة، أو اختيار الشريك.
لكن التنمّر يخلو من هذه المنفعة في كثير من الحالات، إذ:
• لا يزيد فرص التكاثر أو البقاء،
• يهدد تماسك الجماعة،
• ويخلق توترات داخل النسق الاجتماعي.
بل إن دراسات ميدانية (مثل دراسة Rigby, 2011) تشير إلى أن المتنمّرين أنفسهم أكثر عرضة للاضطرابات النفسية، وأن جماعاتهم المدرسية أو المهنية أقل انسجامًا وإنتاجية.
وعليه، فإن التنمّر سلوك ضد الانتخاب الطبيعي، إذ يضعف لياقة النوع لا يقويها، وهو ما يجعله شذوذًا تطوريًا.
تشير الأدبيات الأنثروبولوجية (مثل أعمال Donald Black وRené Girard) إلى أن ظاهرة الإذلال المتعمد والاعتداء الرمزي وجدت في كل الحضارات تقريبًا، من المجتمعات القَبَلية إلى المدن الحديثة، وإن اختلفت أدواتها:
• من النبذ في القبيلة،
• إلى التنكيل في العصور الوسطى،
• إلى التنمّر الإلكتروني المعاصر.
هذه الكونية في الانتشار، واستقلالها عن العوامل الطبقية أو التعليمية، تدل على أن التنمّر ليس ظاهرة مكتسبة اجتماعيًا فقط، بل يتضمن مكوّنًا أنثروبولوجيًا عميقًا، يعكس ما يسميه جيرار بـ”الرغبة المقلَّدة” (mimetic desire) — أي أن الإنسان لا يرغب في الشيء بل في موقع الآخر، فيتحول الحسد إلى عنف رمزي.
في ضوء ما سبق، لا يمكن تفسير التنمّر من خلال التطور الحيوي وحده، بل ينبغي الاعتراف بوجود تحول تطوري نوعي عند الإنسان:
تحول من التطور الطبيعي (Natural Evolution) إلى ما يمكن تسميته التطور الرمزي (Symbolic Evolution)، حيث أصبحت البقاءات لا تُقاس بالنجاة الجسدية بل بالقيمة والمعنى والمكانة الاجتماعية.
في هذا المستوى، يتحول الصراع من صراع على الموارد إلى صراع على المعاني.
ومن هنا تولد السلوكيات “السلبية تطوريًا”، مثل:
• التنمّر،
• الإذلال،
• الحسد،
• العنف الأيديولوجي.
وكلها تشترك في كونها ممارسات لا تخدم البقاء، بل تؤكد الذات الرمزية على حساب الآخر، أي أنها نتاج “وعي مفارق للطبيعة”.
تدعم دراسات في علم النفس الاجتماعي هذه الفرضية، إذ تبيّن أن الإنسان يمتلك قابلية مزدوجة:
• قابلية تطور إيجابي: نحو التعاطف، التعاون، الأخلاق،
• وقابلية تطور سلبي: نحو السيطرة والإذلال والتدمير.
وهذه الازدواجية يمكن عدّها مرحلة ميتا-تطورية (Meta-evolutionary phase)، حيث لا تعود “اللياقة” تعني القدرة على البقاء، بل “القدرة على إعادة تعريف البقاء ذاته”.
وهنا بالضبط يولد التنمّر كفعل رمزي سلبي، يشير إلى أن التطور الإنساني لم يعد يخضع للانتخاب الطبيعي، بل للانتخاب الثقافي والنفسي، حيث يُنتخب المهيمن لا المتكيّف.
تكشف ظاهرة التنمّر، في جوهرها، عن انفصال الإنسان عن المنطق التطوري الذي أنجبه.
فهي ليست خللاً عرضيًا في السلوك، بل برهان على أن التطور الإنساني قد بلغ مرحلةً من الوعي الذاتي جعلته قادرًا على إنتاج سلوكيات مضادة للطبيعة.
وبذلك، يمكن القول إن التنمّر يمثّل أول دليل ميداني على وجود تطور سلبي للوعي، أي تطور يبتكر أدوات تدمير الذات والآخر باسم التفوق الرمزي.
إنها المفارقة الكبرى التي تجعل من الإنسان — كأرقى منتوج للتطور — الكائن الوحيد القادر على تقويض تطوره.
خلاصة الفرضية:
التنمّر ليس بقايا من الحيوان في الإنسان، بل هو ما يدل على أن الإنسان قد تجاوز الحيوان، ولكن في الاتجاه الخاطئ.

أضف تعليق