
حين يتحدث الإنسان عن “الفراغ الكوني”، فإنه يتحدث عن شيء يفترضه بصفته نقيضًا للمادة، وعن فضاء لا يسكنه شيء إلا ما تسمح به أدوات الرصد ومحدودية التصور. غير أنّ هذا المفهوم ذاته مشوب بانحياز أنثروبومورفي عميق، إذ يُسقِط الإنسان تجربته الإدراكية على ما يتجاوزها، فيختزل الوجود في معاييره الحسية والعقلية.
لكن ماذا لو قلبنا المعادلة، ورأينا الكون من زاوية كائنٍ افتراضيٍّ قابعٍ في ما يسميه الإنسان فراغًا، يراه مأهولًا لا خاليًا، ويعتبر “الملاء” الكوني ليس إلا أحد مظاهر الوجود لا كله؟
نشأ مفهوم “الفراغ” في تاريخ الفكر البشري بوصفه حاجةٍ تفسيرية لفهم الامتداد الذي يفصل الأجسام عن بعضها. من أرسطو الذي أنكر وجوده، إلى نيوتن الذي جعله وعاءً للمادة، ثم أينشتاين الذي ألغى فراغيته بتحويله إلى نسيج الزمكان؛ ظلّ “الفراغ” فكرةً تخدم الإنسان لفهم المادة لا لفهم الوجود ذاته.
الأنثروبومورفية هنا تكمن في أن الإنسان يرى الكون كمرآةٍ له، فيسمي ما لا يدركه “لا شيء”، وما يراه “كل شيء”، دون أن يدرك أن العدم الذي يتحدث عنه قد يكون حياةً مكثفةً لا تُرصد بأدواته المحدودة.
لنفترض كائنًا افتراضيًا، يعيش في ما يسميه البشر “الفراغ الكوني”.
إنه لا يرى في محيطه خواءً بل تريليونات التريليونات من الكيانات الدقيقة التي تشاركه طبيعة وجوده: كائنات من طاقات غير مرئية، أو مجالات من الذبذبات المتداخلة، أو صورٍ من الحياة التي لا تُدرك بالموجات الكهرومغناطيسية.
من موقعه، يبدو “الملاء الكوني” — النجوم والمجرات والغبار الكوني — مجرد “جزيرة مادية صغيرة” وسط محيطٍ هائلٍ من الوجود الطاقي المجهول.
هنا تتبدّل النسبة: ما نعدّه فراغًا هو الامتلاء بعينه، وما نعدّه ملاءً هو الاستثناء لا القاعدة.
إن المقولات الوجودية القائمة على الثنائيات (مادة/فراغ، وجود/عدم، شيء/لا شيء) فقدت صلاحيتها أمام هذه المقاربة الجديدة.
ولذلك نقترح مصطلح “الفراغ الملآن” أو “الفراغ الممتلئ”، للدلالة على أن الفراغ ليس خلوًا من الوجود بل خلوًا من ما ندركه نحن فقط من أنماط الوجود.
بهذا المعنى، يصبح “الفراغ الحقيقي” ليس نقيضًا للمادة بل وعاءً لأنماط أخرى من الكينونة لا تقع ضمن طيف إدراكنا. أما “الملاء الكوني” فيغدو مجرد طبقةٍ مرئية من طيفٍ أعظم يغمرها من جميع الجهات.
إذا سلّمنا بوجهة نظر “الكائن القابع في الفراغ”، فسنجد أنفسنا أمام ثورةٍ مفهومية:
لم يعد الوجود يُختزل في ما نرصده، ولا العدم يعني الغياب، بل صار كلّ ما في الكون تجلّيًا لامتلاءٍ لا يُدرَك إلا من خارجه.
إنّ الفراغ الملآن ليس تناقضًا لغويًا، بل تصحيحٌ لمغالطة الإدراك البشري؛ فحيث يرى الإنسان “اللاشيء”، هناك ربما تكمن أسمى أشكال “الشيء”.
